النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

معركة العقل ضد البلادة...

في الروح الإيجابية البلهاء والتفاؤل الأجوف!

رابط مختصر
العدد 10683 الاثنين 9 يوليو 2018 الموافق 25 شوال 1439

«الروح الإيجابية- التفاؤل الجميل..»، الى آخر تلك العبارات المنمقة التي تتردد على ألسنة العديد من الناس في السنوات الأخيرة. وغالباً ما تكون مشتقة من أدلة ومحاضرات وورش عمل يقدمها أشخاص مختصون في فنون التفاؤل، ويرددها أشخاص يعيشون خارج الحياة تقريبا، عبارات مصقولة وملفوفة في ورق السلوفان، تماما مثل بطاقات المعايدة البلاستيكية التي لا تحمل لا مشاعر حقيقية، ولا معاني حقيقية.
ويأتي على شاكلة هذه اللغة الشعارات الجوفاء في سياقات متعددة، على نمط المحاضرات المعلبة الجاهزة للثرثرة (من نمط فنون التحكم في الوقت-وفنون التسكع على أرصفة الوجود-وأسرار السعادة- الزوجية..)، إلى آخر تلك الأسطوانة المشروخة التي تعيش في خط موازٍ مع سير الحياة في الواقع، من دون أن تتفاعل معه أو تؤثر فيه..
هذه (اللغة الخشبية) عادة ما ترتبط بالخطاب الخالي من أي قيمة او وزن في الواقع العملي، لأنها تدور في فلك الشعارات الجوفاء، من دون رصيد في عالم المعاني، باللجوء إلى قوالب وصياغات ثابتة ومعجم محدود بارد يكاد يكون خاليا من أي فائدة عملية.
هذا النوع من اللغة (الفالصو) المنتشرة على نطاق واسع: (كل شيء تمام - الأمور طيبة - ليس في الإمكان خير مما كان أو جرى...) تلعب دورًا سلبيًا على صعيد تشكيل الوعي من خلال التغطية على الواقع، والتستر عما فيه من مشكلات وأخطاء، يفترض أن تحتاج إلى ماكينة الوعي والرفض، وتتطلب بالتالي جهداً لإصلاحها ومواجهتها حتى بأضعف الايمان.
وللأسف فإن مثل هذه اللغة التي ظاهرها إيجابي، وباطنها سوء وهروب من متطلبات الوعي بالأشياء، تستند إلى جمل وقوالب جاهزة من دون روح، ومن دون حياة، ولذلك لا تؤثر لا في الواقع في اتجاه تغييره أو تحسينه، إلا أنها تؤثر بشكل سلبي في المتلقي لأنها تعطيه حالة من الراحة الوهمية والرضا السلبي، تماما مثل باقي وسائل التخدير والإلهاء. والمفارقة في هذا الأمر أن العديد ممن يكررون هذه العبارات الجوفاء، هم في الغالب الأعم أشخاص لا يكادون يعملون شيئاً كبيراً، ولا يكادون ينجزون شيئاً ذا قيمة، باستثناء تكرار مثل هذه العبارات الجاهزة في زمن صعب، زمن التحديات الكبرى على كافة المستويات، من خلال استخدام هذه العبارات الخشبية لمواجهة قضايا ومشكلات شخصية أو وطنية أو قومية وحتى إنسانية، مع أنها تتطلب قلقاً عقلياً وفكراً مبدعاً، وتوتراً طبيعياً ينتهي بالبحث عن المخارج لهذه القضايا التي يجب أن نحملها هماً ثقيلاً، ليلاً نهاراً.
إن أوضاعنا العربية، وعلى كافة الأصعدة، لا تدعو إلى التفاؤل المفتوح (إلا إذا كان هذا التفاؤل من النوع الخشبي الوهمي)، ولذلك فإن الطبيعي أن نشعر بالقلق، وبعدم الرضا من هذه الأوضاع السخيفة التي تجعلنا في ذيل أمم العالم، بل وعلى هامش هامش التاريخ، إلا لم نكن خارج الهامش أصلا. ولذلك فإن أي نوع من أنواع التفاؤل الخشبي لا يكون إلا محاولة للتضليل وتعبيرا عن الرضا بالدون.
فنحن نكاد نكون الأمة الوحيدة في العالم التي مازالت تبحث عن «هوية»، وهي لذلك تدور حول نفسها دون أن تقوى على التجاوز، ملفاتها جميعا مفتوحة مثلما كانت دوماً مفتوحة منذ بداية عصر «النهضة» الموهومة (حتى لا تقول منذ سقوط بغداد في 1257م). وإذا كانت الشعوب الحيّة تعيش على وقع الأفكار الجديدة منذ خمسة قرون على الأقل، وإذا كان هؤلاء قد حققوا فتوحات لم يحققها الإسكندر المقدوني، فلأنه انقرض من بينها كل فمٍ مكمم، وكل حاجب مرتفع، وكل نقطة تعجب واستفهام. محاكم التفتيش عندهم أصبحت من تاريخ عصور يسمونها بخجل، عصور الانحطاط، لكن مازال حرق الكتب عندنا طقساً من الطقوس العربية الممتعة، ومازالت أصوات قادمة من عصور الظلام تطالب بحرق الكتب ونفي الكتاب وإعدام المفكرين، ولذلك لا عجب أن تكون الإضافات النوعية في مجالات العلم والفكر والابداع عندنا محدودة، إن لم تكن معدومة.
واقعنا العربي لا يدعو إلى التفاؤل، واقع (مكركب) بعضه على بعض، يدور حول نفسه منذ قرون، لا يتقدم إلى الامام. ويمكنك أن تذهب إلى أي مكان في العالم، وتعود إلى هذا الوطن العربي الكبير، بعد عشر سنوات أو بعد 30 سنة حتى، فإنك لا تعود إلا إلى نقطة البداية في أحسن الأحوال، لتجد أن دار لقمان على حالها (إلا فيما ندر، وإلا إذا كان التقدم يقاس عندما بحجم وعدد المباني والشوارع الجديدة فقط).
ومن سخرية القدر أننا في الوقت الذي لم نحسم فيه بعد علاقة الإبداع بالدولة وعلاقة الإبداع بالدين وعلاقة الإبداع بالتجارة وعلاقة الإبداع بالإعلام، وعلاقة الفكر بالاقتصاد، وعلاقة الجميع بالتنمية، ما نزال نتحدث بكل فخر واعتزاز عجيبين، وبكل غرور يدعو إلى السخرية والشفقة، بأننا سائرون على الدرب، وإننا لاحقون لا محالة، (وبشكل قدري ومن دون أي جهد أو إبداع) بركب الحضارة.
ودع أننا نحاول ندخل عصر الاقمار الصناعية والثورة المعلوماتية بصعوبة بالغة، فما نزال نتصرف في حدود فكر المحراث الخشبي، ونتغنى بلغتنا الخشبية، نعتمد على الامطار الموسمية، والتفاؤل الوهمي.
همس
في ساحةِ تعجُّ بالذهاب،
جلست على رصيف العابرين،
انتظر بزوع الشمس ساعة العبور.
ممتشقا وهمي القديم،
كي أكملَ رحلة العبور
إلى ضفة تعج بالطيور المسافرة.
يمُرُّ من أمام الرصيف
عشقان أول النهار،
مشتعلان في الزمانِ، مثلما تهاجر الطيور،
والعشاق يغادرون الشارع الطويل،
 في هدوء.
والمسافرون يرحلون دونما التفات،
والياسمين لم يعد يبوح بسره المكنون.
وبائع الورد يقفل الحانوت لحظة الشروق.
والحب لا يزهر عند أوَّل الصباح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها