النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

سحر الموسيقى

رابط مختصر
العدد 10681 السبت 7 يوليو 2018 الموافق 23 شوال 1439

لا يمكنك الاستغناء عن الموسيقى إلا إذا كنت تستطيع الاستغناء عن الغذاء والهواء والدواء.
إذا لم تجد الغذاء تجوع وتمرض وفِي النهاية تنتهي حياتك، فلو استغنيت عن الهواء توقف نفسك وانتهيت، فإن استغنيت عن الموسيقى ذبلت روحك، وتيبست أحاسيسك، ونبتت القسوة في طبعك وتأصلت مع الوقت، وصرت إنسانًا قاحل المشاعر، جاف الأحاسيس، وأصبحت حياتك مملة وضجرة، وأوقاتك بطيئة ثقيلة وحزينة.
 للموسيقى سحر وسطوة ونشوة تحرك الحجر والشجر والجماد. عندما تستمع إلى الموسيقى تسمو روحك، وتتجلى أفكارك وتحلو أوقاتك وتطيب نفسك.
الموسيقى تحرك وجدانك وترهف أحاسيسك، وهي تنير ظلمة العقل بالأفكار، وتثير أحاسيسك الإنسانية، وتتحول معها أنت الى ملاك مجنح طائر. مع الموسيقى تسمو، تعلو فوق الدنيا ونفاياتها ومطامعها، تغدو إنسانًا آخر بالغ الرهافة، تتحرر من ملوثات الحياة وأطماعها وأدرانها، أنت مع الموسيقى كائن أعلى أرقى فهي تطهرك باستمرار، لأنك تتلوث باستمرار. الموسيقى ترسل البهجة في نفسك فهي ليست حاجة فائضة نستطيع الاستغناء عنها.
وقد عرفت الحضارات الإنسانية القديمة أهمية الموسيقى الروحية فأدخلوها في طقوسهم الدينية في المعابد، ليكونوا في ذروة التجلي والانبعاث والصفاء والمتعة الروحية، والارتفاع إلى ذرا وآفاق بعيدة عالية رحبة.
الموسيقى لغة كونية يفهمها جميع البشر على تعدد أجناسهم، وتباعد أوطانهم، وهذا التعدد في الموسيقى عند كل شعوب الأرض تمنحنا فرصة الاستمتاع المتنوع والمتغير، ومع تحول العالم إلى بيت واحد في العصر الحديث تقاربت الموسيقى وتداخلت كما تعارفت الشعوب وأحبت بعضها بعضًا من خلالها.
الموسيقى لغة السلام والألفة فحين تستمع إليها، ليس بوسعك أن تكره أحدًا لأنك تصبح رقيق المشاعر، مع الموسيقى أنت تحب كل الناس ومن كل مكان، وليس للموسيقى مساحة فهي عابرة للحدود والقارات، فتسافر بِنَا الى كل المدن والبلدان، وتأخذنا إلى أزمنة مختلفة وأمكنة متعددة، في وقت واحد قصير، مع الموسيقى لا تشعر بالوحدة والوحشة وإن كنت وحدك. هي صديق أليف ولها أجنحة تحلق بِنَا في فضاء الطيور والعصافير. الموسيقى تصحبنا في البيت، وفي طريقنا إلى أعمالنا. وعندما نفرح في المناسبات السارة المبهجة.  
وفي بعض التجارب أدخلت الموسيقى في العمل فتحسنت الإنتاجية، فإن كنت تكتب تتفتح قريحتك وتنزف مشاعرك. لا نستطيع الاستغناء عن الموسيقى، إن كنّا نكتب أو نتأمل، أو نحزن أو نفرح، عند الفرح هي تزيدنا فرحا، وعند التفكير تفتح آفاقنا، وهي تملك القدرة على تخفيف الآلام، تقول الكاتبة غادة الحلايقة: (تعمل الذبذبات الموسيقية على التأثير على الجهاز العصبي وتخدير الخلايا العصبية مما يبعث الشعور بالاسترخاء وزوال مسببات الألم)، لذا هناك علاج للمرضى بالموسيقى.
وعند استماعك للموسيقى يفرز الدماغ مادة كيميائية تقلل الشعور بالألم، والموسيقى تضعك في حالة من النشوة فتشعر بالسعادة فتغني وتترنم وتشعر بخفة في روحك، ونشوة في نفسك، والموسيقى هي أكمل تعبير للعواطف البشرية السامية، وقد عبر كبار الموسيقيين عن مشاعرهم بالموسيقى، وعندما أخذ الغضب بيبتهوفن كل مأخذ، وتأججت لديه مشاعر الاحتجاج على نابليون بونابارت الذي تحول إلى طاغية، ألف سيفونيته الثالثة، وهي سيمفونية غاضبة وصاخبة، فهي نشيد الانعتاق والمقاومة والحرية، وهي المشاعر الإنسانية الخارجة من نسيج القلب، عبر ضربات وقصفات رعدية ثلاثية الإيقاع متتالية. وكانت الموسيقى متلازمة مع الفلاسفة والفنانين والكتاب. وهي صديقة لكل الأجناس والطبقات والأعمار، ولا تملها في كل الأوقات. وهي تعبير عن العواطف الغامضة التي لا تقولها الكلمات. يقول علماء النفس إن الموسيقى تهذب الأخلاق والسلوك، وهي تستخدم في بعض مستشفيات الأطفال لتهدأتهم، وإعدادهم للنوم، وعندما كنّا أطفالاً كان يلذ لنا أن ننام في أحضان أمهاتنا وهن يغنين ويترنمن ويلحن أصواتهن، وهي عادة عند كل الشعوب، والغناء هو موسيقى.
والموسيقى هي لغة مفهومة لا نحتاج الى دراستها، فالطفل لا يعرف اللغة في ذاك العمر الذي ينام فيه في حضن أمه، لكنه يشعر باللحن الذي تترنم به.
ويعتبر الموسيقيون الصوت آلة موسيقية. يقول الكاتب جواد طالب والعهدة عليه: (تؤثر النغمات الموسيقية على الغزلان والجمال فتصير أكثر انصياعًا للراعي). الحادي في الصحاري البعيدة يغني للجمال فتغذ في السير، وهو بالغناء يطرد الوحدة والوحشة وألم الفراق والبعد عن الوطن. مع الموسيقى تصبح الحياة أكثر بهجة وسرورًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها