النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

(الأوان) الذي لا ينقضي

لا شيء يبقى للثقافة سوى الدولة والهامش الأهلي الصغير

رابط مختصر
العدد 10678 الأربعاء 4 يوليو 2018 الموافق 20 شوال 1439

تعيش المجلات الثقافية العربية (العامة والمتخصصة على حد سواء) أزمة حقيقية، أدت في الغالب الأعم إلى انسحاب العديد منها، واختفائها نهائياً من الساحة الثقافية، بعد سنوات طويلة من الصدور والتأثير في مجرى الثقافة العربية الجامعة. ولسنا هنا بصدد تقصي جميع الأسباب التي أدت إلى ذلك (مادية أو سياسية أو إدارية)؛ لأنها معلومة في مجملها. إلا أنه من المهم القول بأن ثورة تكنولوجيات المعلومات والاتصال، قد جعلت الكتاب الورقي ومن المجلات الورقية تتراجع بشكل كبير، ويستعاض عنها بالمواقع الالكترونية الأقل كلفة والأسرع انتشارًا والأقدر على الوصول إلى الجمهور الواسع والأكثر استدامة الصدور. هذا فضلاً عن أن عدد من هذه المجلات الثقافية التي كانت ناجحة ولها جمهور واسع من المتابعين قد تحولت بفعل فاعل هذه من مجلات ثقافية متخصصة إلى مجلات محكمة إدارية، غرضها الوحيد النشر لطلبة الدكتوراه مما جعلها خارج السياق الثقافي، مهلهلة وغير جاذبة.
وهنا يدعونا الإنصاف إلى القول بأن الدولة في مملكة البحرين وحدها تقريباً هي من تخصص موازنات للشأن الثقافي وللإصدارات الإبداعية والفكرية والفنية بكافة أشكالها، بالرغم من التحديات الكبيرة على صعيد التمويل. ونستذكر هنا، أن مجلة البحرين الثقافية قد صمدت منذ 1993 وإلى تاريخه، وهي المجلة البحرينية الوحيدة التي ظلت منتظمة الصدور طوال ربع قرن من الزمان، بفضل الدعم الذي تقدمه الدولة، من خلال هيئة البحرين للثقافة والآثار، وهي مفتوحة أمام النتاجات الأدبية والفكرية والفنية المحلية والعربية، وتستقطب نخبة من الكتاب والأدباء والأكاديميين البحرينيين والعرب، كما تعدّ المتنفس الثقافيّ والأدبيّ والفكريّ للمثقفين والمبدعين البحرينيين في كافة المجالات، وهي تعد اليوم من بين المجلات الثقافية العربية المرموقة التي تضاهي مجلة الآداب، والمعرفة، والعربي، ودبي الثقافية، والرافد، والهلال، وآفاق الثقافة والتراث، والمجلة العربية، والخطاب الثقافي، والفيصل، والمنهل، وعالم الفكر،، ونزوى، ومرايا، وغيرها كثير. وهي باختصار تضع مملكة البحرين على خارطة الثقافة العربية الجادة والمستنيرة، وتشكل قيمة مضافة لها. وهي لذلك سوف تظل المثال الإيجابي المميز، في سياق عربي مهتز ومبعثر، اختلط فيه الحابل بالنابل، ودفعت فيه الثقافة (مثل قطاعات أخرى حيوية) ثمناً غالياً نتيجة للحروب والصراعات والأزمات المالية المتتالية.

 أوان الثقافة
في سياق متصل، وإن كان مختلفاً نسبياً، يذكرني وضع عدد من المجلات الثقافية، بأسطورة طائر الفينيق الذي يخرج من رماد الحريق كل مرة يُعتقد فيها أن قد مات، تعبيراً عن التحدي والتجدد ورفض الموت...
جرني إلى هذا الكلام، صدور مجلة (أوان) الثقافية مجدداً من تحت رماد العدم، ولو بشكل إلكتروني، في الوقت الذي حسبنا فيه أن هذه المجلة قد انتهت، واختفت بلا رجعة، مثل العديد من المجلات الثقافية الأخرى التي لم تقو على مقاومة الرياح الهوج، في زمن عربي لا يحتفي بالثقافة إلا قليلا، بل ويضيق بها في أكثر الأحيان، وقد يعتبرها (كلاماً فارغاً) مثلما صرح أحدهم في يوم من الأيام، داعياً إلى تخصيص المبالغ التي تصرف على الثقافة إلى بناء المنازل (هكذا!!.)
فمجلة (أوان) على ما أذكر، بدأ صدورها من جامعة البحرين في سبتمبر-أكتوبر 2002م (على الأرجح) كفضاء ثقافي جامعي فكري عربي، غني وحر بتنوعه الإبداعي، وبمساءلاته الفكرية والنقدية، وبتعدد أصوات المشتغلين فيه، من أكاديميين ومبدعين ومثقفين. وقد كانت هذه المجلة المتميزة من المجلات ذات القيمة العلمية والثقافية العالية، من حيث نوعية المادة، ومن حيث الشكل الفني المختلف عما كان سائداً وقتها وجهاً للجدة والحداثة والجرأة في تناول الملفات المعرفية والثقافية من خلال عدد من المثقفين والأكاديميين (وأغلبهم من الشباب). ومع ذلك، فإنها لم تستطع أن تكمل عامها الثالث، فلفظت أنفاسها الأخيرة بخروج المرحوم الصديق محمد البنكي ومعه عدد من الشباب، من (فدائيي الثقافة)، وذلك بالرغم من نجاحها الباهر في احتلال موقع متقدم في المشهد الثقافي العربي، بما قدمته واقترحه من مواد فكرية وثقافية مهمة، وبما أثارته من نقاشات حية حول عدة مشروعات فكرية، منها مشروعات الانصاري والغذامي وديريدا وإدوارد سعيد وميشيل فوكو وبول ريكار وغيرهم من المفكرين الكبار...
ليس المقام هنا مقام رثاء، لأنه إذا ما انفتح لن يوصلنا إلا إلى نوع من الاكتئاب الثقافي، ولكنه مقام الفرح بعودة (أوان) إلكترونياً بجهد شخصي من الأخ علي القميش الذي تابعت جهده واجتهاده على مر السنين في خدمة الثقافة، فكنت أرى فيه إصراراً منقطع النظير على الابداع والتجدد وعدم اليأس، بالرغم من التحديات التي يواجهها العمل الثقافي. ولذلك فإن صدور (أوان) بهذه الصورة التي رأيناها في عدده الأول، خبر سار، ليس لجهة إحيائه للمشروع القديم فقط، بل أيضا لجهة قدرته على اجتذاب المساهمين والقراء في ذات الوقت، ليتمكن هذه المرة من الصمود والاستمرار، وليكون فضاءً مفتوحاً للمبدعين والمثقفين الذين يرون في الثقافة رافعة حضارية، وبابا من أبواب التنمية الوطنية. وليقول لتلك الأصوات القادمة من بئر الظلام: إن الثقافة، ليست «كلاماً فاضياً» وإنما هي فعل حياة ووجود وإبداع وإنتاج.
وفي الخلاصة، فإن الثقافة في الوطن العربي ما يزال يعوزها كل شيء تقريبا؛ لأن الكائن الثقافي في هذه الأمة منبوذ، ولذلك لا شيء يبقى لها تقريباً إلا الدولة والهامش الأهلي الصغير المؤلف من عدد من الثقافة المشتغلين في صناعة بلا أرباح فورية.
همس
إذا لم يكن التسامح هو المضاد الحيوي للتعصب فما هو البديل؟..
للجواب عن هذا السؤال يستلزم البحث عن جذور التعصب تاريخياً، فقد كان العقل اليوناني حراً في التفكير في الكون على نحو ما يريد، وكان حراً في البحث عن الحقيقة من غير معونة من سلطة خارجية، ومع ذلك فقد أحيل فيثاغورس إلى المحكمة بسبب عبارته المشهورة: «الإنسان مقياس كل الأشياء»، بمعنى أن كل شيء نسبي، وبالتالي ليس ثمة حقيقة مطلقة، ومن ثم ينعدم القول بأن الحقيقة واحدة ونهائية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها