النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

للأذكياء فقط..

التخفيف من الوزن الثقافي الزائد.!

رابط مختصر
العدد 10676 الإثنين 2 يوليو 2018 الموافق 18 شوال 1439

قال الصديق:
أنتم المحسوبون على الثقافة دائمو الشكوى والنحيب عن الوضع الثقافة وقلة الاهتمام بالثقافة، وهو ادعاء لا يقوم عليه دليل واحد، فعند متابعة الأنشطة الثقافية العديدة التي تنظم على مدار العامة، سواء من خلال الجهات الرسمية وقنواتها المختلفة، أو عبر المؤسسات الثقافية الأهلية الكثيرة المنتشرة في كافة مناطق المملكة، يشهد بذلك البرمجة الثقافية المليئة بالفعاليات والندوات والمحاضرات التي لا تتوقف على مدارس العام.

قلت:
الحمد لله أن الثقافة ما تزال تتنفس في البحرين بالرغم من كل التحديات فهي رئة أساسية للمجتمع الحي. وما تعدد المنابر الثقافية الرسمية والأهلية إلا دلالة على أن هذا المجتمع حي وقادر على العطاء والابداع. وأنا على ثقة تامة ويحدوني أمل كبير في مستقبل الثقافة في البحرين، لإيماني بأن رصيد البحرين الأساسي هو الإنسان والثقافة والإبداع. ولأن لديها دائما ما تقدمه للعالم. إنها حضارة عريقة ممتدة في أعماق التاريخ، ولم تكن في يوم من الأيام ليست مجرد ميناء للتجارة وتصدير النفط، إنها روح وهوية وإبداع وتاريخ. فالثقافة فعل حياة، نتنفس من خلاله، ولدى البحرين في هذا السياق ما تفخر به من منجزات ثقافية، بفضل جهود الدولة والمخلصين للثقافة والمبدعين، كي تستمر في التاريخ، جزءاً لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية المنتجة والمبدعة.

قال مستطردًا:
المشكلة الرئيسية في تقديري الشخصي هي ان العديد من هذه البرامج والفعاليات والندوات وحتى الكتابات التي تنشر على الملأ كل يوم مغرق في التعقيد، بما يؤدي إلى صعوبة في الفهم والاستيعاب والتواصل مع الناس، فكأنكم تبحثون عن الإغراب عمداً. وهذا مخالف لمنطق البيان في الثقافة العربية، فكثيراً ما أقرأ مقالات أو دراسات، أو أحضر محاضرات وندوات، فلا أفهم شيئا، فكأنكم تخاطبون أنفسكم، ولا يهمكم الجمهور في شيء، حيث تستبعدونه من دائرة التخاطب والاتصال. ولذلك على المثقفين كما على المؤسسات الثقافية أن تقدم ما يفهمه الناس وبلغة بسيطة جداً (هكذا).

قلت مستغربًا:
يا سبحان اللّه، هل لهذه الدرجة تعتقد أن النّاس لم يعودوا بقادرين على الفهم والاستيعاب؟
هل لهذه الدرجة أصبحوا عاجزين عن فكّ شفرة بعض الأسطر أو الكلمات أو الاستماع إلى محاضرة أو المشاركة في أي حوار فكري؟ فبعد أن كنّا نتوق لتجارب ثقافية وفكرية وابداعية «خارجة عن النّص»، بتنا - وفقاً لهذا المنطق - نبحث عن مادة ثقافية وحتى إعلامية، مرفق بـها دليل استخدام أو قاموس لـ «شرح النصّ» أو بهوامش لتفسير الأفكار وبعض المفردات التي يستعصي على المتلقي استيعابها. فهل نكتب على بعض النصوص والمنتجات الثقافية للأذكياء فقط مثلا، أم يُمنع على القاصرين عن الحركة العلمية، او الممنوع قراءته عمن لم يكمل دراساته الجامعية العليا مثلا؟ ولو ان الأمر اقتصر على المواطن العادي لهان، أما أن يأتي عدم الفهم من بعض الجامعيين والسياسيين، ومن أهل اليمين وأهل اليسار، فهذا يعني أن هناك خللاً ما في مكان ما... منذ زمن ما.
لقد كانت هناك مؤشرات سابقة لهذا المنعطف الذي وصل إليه موضوع التلقي في ظل ثقافة «التنحيف الثقافي» - إن صح التعبير- وفي ظل انتشار فكرة «ابتعد عن الثقافة تعش» بما جعل العديد من الناس ضحايا قناعات لا تحث إلا على التخفيف من الوزن الثقافي، واتّباع رجيم قاس ليتخلّصوا من الدهون المعرفية الزائدة، حتى أنه ليبدو أن المطلوب اليوم وبعد تدني المستوى الثقافي أن لا تخرج أية مادة ثقافية (أدبية أو تشكيلية او مسرحية أو حتى موسيقية، أو مجرد مقال للرأي...) على مستوى الدرجة صفر للتلقي، وكأن الذين سيطالعونه يزاولون تعليمهم في الصف الأول ابتدائي، أو ما يزالون يتدربون على تهجي الألف باء في صورتها الصوتية.
فإذا كانت عملية الاستيعاب عسيرة لهذه الدرجة (حسب زعمك)، وإذا كانت كل ندوة أو محاضرة أو بحث يتحول إلى طلاسم (حسب توصيفك)، وإذا كان كل مقال يخرج عن الوصفة السحرية للفهم الدارج المرتهن إلى لغة الملاعب والمراقص، ويكون مصيره صرخة في واد وقفزة في المجهول، فإن أمر الثقافة سيكون منته، وغير ذي جدوى، وفقا لمعاييرك الخاصة.
قال الصديق منهيًا الحديث، وقد ضاق ذرعاً بما يسميه «التفلسف الفارغ»:
اكتبوا ما تشاؤون وتفلسفوا في محاضراتكم وندواتكم، فلن يعبأ بكم أحد، وعبروا عما تريدون من خلال هذه النصوص المفتوحة على خمسين احتمال، فلن تجدوا من يتلقى هذا الهراء الإبداعي المبهم!!!

قلت خاتماً هذا الجدل:
لقد شفينا نهائياً من مرض البحث عن حلّ جاهز محفوظ عن ظهر قلب، من خلال «دفاتر المدرسة وكراريس المعلمين» كما قال برغسون، ولكننا لم ينشف من البحث الدائم عن الفكرة المبدعة والرأي الجدي المجدد والابداع المنير المستنير، ولن نشفى من الادمان على الثقافة والفكر والفنون، مهما كانت لغتها أو ألوانها أو أصواتها مستعصية.
إن النصّ المفتوح يطارد العقول المنفتحة والمتلقي الملقّح ضد أمراض اللامبالاة والاستقالة لأتفه الأسباب، ويغازل المتلقي المنقح في كل بنوده الإدراكية، فيتلقى الكتب والمقالات والمحاضرات والندوات ليعقب ويجادل ويناقش ويضيف ويعدل ويعني ويثري، ويعمق الطرح، ويسهم في إعادة انتاج الأفكار وحتى إبداعها. إننا نحتاج إلى حلول جذرية لإيقاف نزف الوعي والاقتصاد المجحف في طاقة العقل وإعادة الاعتبار لكل شمعة قادرة على إضاءة الأماكن المظلمة والفضاءات الدامسة. أما البقاء في نطاق العزلة المحبطة، معزولين منخرطين في تبادل النواح دون أن يكون لنا في دور في بناء الوعي أو التأثير على مجريات التاريخ، فذلك ليس خيارنا في جميع الأحوال والأحيان.

همس
المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها، والعباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ

«ألبرت أينشتاين»

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها