النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

دلمون أرض طهور

رابط مختصر
العدد 10674 السبت 30 يونيو 2018 الموافق 16 شوال 1439

عرفت دلمون الازدهار والحضارة منذ العام (2500 قبل الميلاد). في فجر الحضارة الإنسانية انصهرت دلمون /‏ البحرين مع الحضارات المحيطة بها، الحضارات الكبيرة التي في أوجها وألقها وإشعاعها، وهي أقدم الحضارات التي عرفها البشر، حضارة ما بين النهرين والحضارة الفرعونية في الشمال، وحضارة وادي السند في الهند في الجنوب، الحضارات الأعرق والأقدم في التاريخ البشري. 

كانت دلمون بموقعها الجغرافي المميز جاذبة لأهل هذه الحضارت يحجون إليها وهم في طريقهم الى بعضهم البعض، كانوا يأتون إليها بتجارتهم وبضائعهم وثقافاتهم وصناعاتهم المتقدمة فتأخذ منهم وتعطيهم فهي المركز  وفِي حظنها تتقاطع وتنمو كل الحضارات. 

كان الدلمونيون وسطاء ترانزيت لتجارة العالم المتقدم. اشتهرت دلمون آنذاك بتجارة النحاس على نطاق واسع، ومن النحاس صنعوا الأواني النحاسية، كما صنعوا الأختام الدلمونية التي إستخدمت في العقودالتجارية وإثبات الملكية كما صنعوا الأواني الفخارية الملونة، وجملوا معابدهم بالرسوم المبدعة فبرعوا في الفن التشكيلي في ذلك الوقت المبكر، كانت سفنهم التجارية تجوب البحار القريبة والبعيدة، يأتون بالبضائع من الهند والسند ويحملونها الى بلاد الرافدين، ثم يؤجرون سفنهم للتجار من الأمم المختلفة لنقل البضائع. أسلافنا الدلمونيون تداخلوا بشدة مع الحضارات وأورثونا عقولهم وثقافتهم وخبراتهم جيلاً بعد جيل. كانت تجارتهم رائجة ومنتشرة وأرضهم خصبة ومياههم عذبة فصدروا التمور، وتاجروا في الذهب والفضة والأحجارالثمينة واللؤلوء والعاج والأخشاب والبخور والمنتجات الصوفية والزيوت. 

كان أغلب سكان دلمون يعملون في البحر، وفي أعماق البحر كافحوا ليعيشوا فأخرجوا اللآلئ وتاجروا فيها فوصلت الى مشارق الأرض ومغاربها. وكانت لآلأهم هي الأجود فطلبته كل العواصم والبلدان. ولموقعها الإستراتيجي طمعت في دلمون الدول الكبيرة المحيطة بها، وحاولت امتلاكها، من الشمال غزاها الملك سرجون الأكدي بجيش من بلاد ما بين النهرين، ودمر مدينتها الأولى لكنه اندحر فبنوا مدينتهم الثانية، وغزاها الفرس من الشرق واندحروا، وغزاها البرتغاليون واندحروا، وغزاها الإنجليز واندحروا، ظلت دلمون /‏ أوال/‏ البحرين صامدة، عادت لأهلها وظلت لأهلها. 

وسط هذه الحضارات تواصلت وأخذت وأعطت، واستفادت وأفادت، وسافر لؤلؤها الى لندن وباريس والمدن القصية، وتزينت به الحسان وتفاخرن به: هذا لؤلؤ البحرين. 

ظلت دلمون /‏ البحرين عبر القرون وفية لأهلها، منحتهم اللآلئ والأسماك والمياه العذبة والخضرة والتمر والطعام والسكن من سعف نخيلها وأحجار بحرها . أخلصت لهم وأخلصوا لها. ظلت لهم وحدهم. هذه هي دلمون /‏ البحرين أرض الخلود التي اعتبرتها الأساطير القديمة بلاداً مقدسة بمواصفات الفردوس، فهي الأرض النقية الطاهرة التي لا مرض فيها ولا عدوان، ولا تفترس فيها الحيوانات الكبيرة الحيوانات الصغيرة. دلمون كانت أرض المحبة والنخيل الباسقات والمياه العذبة والآلئ المياسة العذراء، إليها جاء الملك جلجامش باحثاً في أعماقها عن زهرة الخلود، إليها توجهت كل السفن والجمال والقوافل قادمة من الجهات الأربع. جاءها الأغنياء للتجارة، وجاءها الفقراء لائذين من العوز والحاجة، فوجدوا فرصة العيش، وأعطتهم الغذاء والكساء والسكن. في دلمون اختلطت الأجناس والثقافات والحضارات واندمجت، كانت هي لحاف الفقراء ومأواهم، يأتونها من البلدان المجاورة فتمنحهم العمل والأمل والخبز والطعام والأمان. 

في دلمون /‏ البحرين تسمع صدى كل اللغات وتلتقي فيها كل الأجناس، يأتونها غرباء فيصبحون أهلاً ومواطنين، هي وطن من ليس له وطن، وسكن من ليس له سكن. يسكنها الغرباء فتسكنهم، ويألفونها فتألفهم. دلمون /‏ البحرين الغريب فيها ليس غريباً. فيها الجائع يشبع، والفقير يكتفي، والصغير يكبر والغفير يكرم ويعزز. بلاد صغيرة وكبيرة في آنٍ واحد، تحب كل الأجناس، وتحبها كل الأجناس، هي أم الحضارة والمليون نخلة، فيها الألفة للغريب والبعيد، هي الأم التي رعت أولادها عبر القرون، علمتهم الحب والتوادد والتعاون، علمتهم التآخي والتآلف والتواصل والتكافل، علمتهم عذب الكلام ورقته. غاص أهلها في الأعماق الخطرة، بين الأسماك المتوحشة والسامة، بعضهم عاد بلا ساق، وبعضهم بلا يد، وبعضهم لم يعودوا، وأَكلت وحوش البحار لحومهم وجلودهم، ولكنهم ألفوا الخطر ولَم يتراجعوا عن كسب لقمة العيش وإن قدموا حياتهم ثمناً. 

عاش أهلها على المرارة وشظف العيش، اكتفوا بالقليل حين شح الزاد، لكنهم لم يهجروا ويهاجروا من بلادهم، ظلوا أوفياء لدلمون القديمة /‏ البحرين الجديدة. هل يأخذ أحفاد اليوم العبرة من أسلاف الأمس؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها