النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

مدينة كازرون وأيام من النار

رابط مختصر
العدد 10672 الخميس 28 يونيو 2018 الموافق 14 شوال 1439

انطلقت شرارة الانتفاضة الشعبية الايرانية في اواخر ديسمبر عام 2017 بزخم واسع كمد البحر في أطراف ومدن عدة، لكنها كعادة البحر الغاضب يعود إلى جزره الاعتيادي، دون ان يعني ان الموجات المتحركة تحت سطح البحر وتياراتها المتلاطمة لن تعود الى الخروج إلى السطح بقوة مرة اخرى في صيغ واشكال مختلفة.
هكذا تحولت انتفاضة ديسمبر الى تكتيكات متعددة بمحاولة الانتفاضة وقياداتها الميدانية تحويل تلك المواجهات الى مناطق متعددة ومتحركة على الدوام، بحيث تبقى جذوة النار تحت سطح الرماد استعدادا لهبة ريح خفيفة سرعان تعمل على تحريك المزاج الشعبي العام الموزع على خريطة ايران الواسعة والمتنوعة عرقيا وثقافيا. وفي ضوء ذلك المزاج الجماهيري والاستعدادات المستمرة والتحضيرات المتتالية، سنجد الحراك في الاهواز يرتفع وينخفض، ينزوي ويبدو كأنه تلاشى وخمد، غير انه يتوالد في صيغ الاحتجاجات الصغيرة التي تحمل مشعل الحماس الشعبي، بل وتدخل على الخط الحركة العمالية بتلك الاضرابات في مدينة اراك وهفت تبه ومدينة عشساران احتجاجا على عدم دفع رواتبهم، كما اغلق المضربون خط السكة الحديدية بين اراك وطهران، وعلقوا يافطة سوداء عند مدخل المصنع دلالة على الحداد والتضامن مع الشهداء والمعتقلين. من ناحية اخرى، اضرب عمال قصب السكر في «هفت تبه» للاسباب ذاتها، من التلاعب في دفع الاجور ومعاملة عمال قصب السكر بشروط مجحفة استرقاقية، كما تتلاحق هنا وهناك طوال الشهور الماضية اضرابات محطة الطاقة في سد جمشير في غشساران وتحركات مشهد وعمال سكك الحديد وعمال اسلامشهر وزنجان وتبريز ودامغان، كل تلك الاحتجاجات العمالية والجماهيرية تظل مشتعلة تقلق السلطات وتستنزف طاقتها الامنية والاقتصادية والسياسية.
بعد اضراب مدينة اراك في 14 مايو 2018 لا تبدو في الافق حالة من السكون والتراجع؛ لكون الاستياء العام موضوعيا مازال يتعمق ويتبلور، وهو خبز الناس اليومي ووقودهم، كما انهم ضاقوا ذرعا من الامن والقمع والاستبداد خلال اربعة عقود من هيمنة نظام الملالي، فانفجار انتفاضة ديسمبر من العام المنصرم حطمت جدار الخوف في غالبية المدن والبلدات الصغيرة والقرى النائية، وانخرط النساء والرجال في معمعان معركة شعبية واحدة، غير أن المؤشر المهم هو مدينة كازرون مؤخرا، ففي 16 مايو 2018 عاد من جديد لهيب الغضب الشعبي تحت شعار «ويل لكم عندما نرفع السلاح، لنتحد يا ابناء كازرون الغيارى، نحن فرقة ناصر ديوان (ديوان هو القائد الكازروني في الحروب الوطنية ضد الاستعمار)»، إذ انخرطت كتل ونسيج من المجتمع الايراني من اهالي مدينة كازرون في ساحة الشهداء دون خوف أو تراجع، فما كان من قوات النظام واجهزة قمعه إلا إطلاق الذخيرة الحية وسقوط 3 شهداء من جراء تلك الانتفاضة واعتقال اكثر من 30 متظاهرا، لكن السلطات لم تجد في المدينة الباسلة استسلاما لا من النساء ولا الرجال، وانما وجدت حشودا هائجة أمام دائرة المخابرات في المدينة تطالب بإطلاق سراح ابنائهم وذويهم فورا، ما كسر شكيمة الامن.
وتضامن مع تلك الهبة الشعبية تجار السوق والكسبة في كازرون بالاضراب العام، فبدت كازرون مدينة صامتة مغلقة مستنفرة تقف على فوهة بركان قادم نيرانه وجذوته تحت رماد الغضب. الجديد في انتفاضة كازرون دخول عنصر مفاجئ لرجال الامن والمخابرات، هو استعمال المحتجين درجة من العنف الشعبي باستعمال زجاجات المولوتوف الحارقة، ما تسبب في هلع رجال الامن وهروبهم من مواقع المواجهة. وقد عبرت ملوحة المدينة وأهاليها عن انها مستعدة لانواع المواجهة المسلحة، ما يجعلنا نميل إلى ان الانتفاضات الشعبية في عموم ايران ستنحى الى نهجين في وقت واحد؛ استعمال الحراك السلمي والاحتجاجات، وتوظيف لغة النار والمواجهة في احيان اخرى، لكي لا تفهم السلطات ان من يخرجون للتظاهرات قوة مسالمة يسهل اقتناصها وتدميرها بالقوة بمنتهى السهولة. تلك التوظيفات العملية في تكتيك عمل الجماهير لغة مجدية في تاريخ الثورات والانتفاضات الشعبية، وتمازج النهجين لا يتعارضان في لحظة تاريخية من لحظــات الحسم الثوري، أمام آلة قمع شرسة لا تفهم إلا لغة واحدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها