النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10910 الخميس 21 فبراير 2019 الموافق 16 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:35AM
  • العشاء
    7:05AM

كتاب الايام

الصحافة كرافعة للتقدم

رابط مختصر
العدد 10667 السبت 23 يونيو 2018 الموافق 9 شوال 1439

الصحافي هو الضمير الحي للمجتمع، فهو ممثل الرأي العام أمام السلطة التنفيذية والمؤسسات الرسمية التابعة لها وهو أيضا في مواجهة مع المؤسسات الأهلية، وهو كما أعتقد رسول للإنسانية، فكم من الصحافيين فقدوا حياتهم في الحروب التي ذهبوا إليها لكشف الحقيقة للرأي العام، وعرض معاناة البشر جراء هذه الحروب. والصحافي في بحث دائم عن الحقيقة والدفاع عن الحق، و(الحق أحق بأن يتبع). ونستثني من ذلك الصحفي صاحب الضمير الميت الذي يبحث عن مصلحة نفسه، وهذا الصحفي يكون وبالا على الصحافة وعلى المجتمع لأنه يزيف الحقائق في سبيل مكاسبه الشخصية وهو يخدع القارئ ولا يصبح أداة للتقدم والتنوير، بل يضع العصا في العجلة، والصحافة حتما لها دور آخر مختلف. وقد نغفل عن أهمية الصحافة كأداة تنوير فعالة يومية مستمرة، قد يعتقد البعض أن الصحافة هي ليست أكثر من وعاء لنقل الأخبار والحوادث المحلية والعالمية فحسب، وهذا صحيح في صحافة العقود الماضية الى حد ما، لكن وضع الصحافة الراهن تغير الى حد كبير مع الانفجار المعرفي وثورة الاتصالات السريعة. واتساع الحريات ووفرة المعلومات، وتعدد الأحداث والأخبارالمتنوعة التي تضخها وكالات الأنباء العابرة للقارات. الصحافة الحديثة لا يقتصر دورها على نقل الأخبار والأحداث المهمة فقط، فصحف اليوم على النقيض من صحف الأمس ممتلئة بالعلوم والمعارف المهمة المتصلة بحياتنا السياسية والاقتصادية والثقافية والصحية وغيرها، ولا يخلو كل عدد من الصحيفة من معلومات وأفكار تضيف الى حصيلتنا المعرفية. لقد اتسع أفق الصحافة في السنوات الأخيرة فأصبح بإمكاننا أن نغذي عقولنا بالمادة المتنوعة التي تحفل بها، وهي مادة متعددة تكاد تتصل بكل شؤون الحياة، الصحافة تتجاوز دورها القديم بالغ البساطة، وتذهب الى مدى أبعد؛ وكثيرا ما صادفني مقالا في الصحف في الفكر والثقافة أضاف اليّ بقدر غير قليل من الثقافة والمعارف المهمة حتى أنني أقرأ هذه المقالات مرتين وأحتفظ ببعضها كما أحتفظ بالكتاب. ولا يجب أن نستهين بأخبار العالم وما يجري فيه من أحداث ومتغيرات سريعة فهي بالغة الأهمية لأنها تصيغ أفكارنا ومعارفنا وتشكلها من جديد. إن معرفة ما يدور في العالم تساعدنا على معرفة ما يدور في بلادنا، فالقارئ اليوم لا يخلو من الذكاء والفهم الذي يدفعه لأن يقارن ما يراه ويسمعه في العالم بما يراه ويسمعه في بلاده، وهكذا تتشكل معارفه وقناعاته وأفكاره من جديد كما يتسع أفقه. 

والتكنولوجيا الحديثة تتيح للصحف الحصول على معلومات ومواد متنوعة على وجه السرعة، و جزء كبير منها يدخل في حيّز الثقافة من فكر وأدب وفلسفة ومسرح وفن تشكيلي وسينما وموسيقى بالإضافة الى مواضيع العلوم والطب وثقافة التغذية، في كل هذا تجديد لثقافتنا العامة وعاداتنا وسلوكنا، كما أن السياسة في حد ذاتها ليست مادة فارغة من الثقافة والفكر، فجزء كبير منها متصل بحياتنا كالحقوق الإنسانية وأنظمة الحكم والأيديولوجيات المتعددة المنتشرة في العالم، التي نتفاعل معها، ونؤسس بها أفكار المستقبل، وهي في عمومها تصيغ مصائرنا وحياتنا، فعلى النمط السياسي للأنظمة تتأسس تفاصيل كثيرة تشكل حياة البشر. ليس هذا فحسب فالمادة الثقافية في الصحف الحديثة تأخذ مساحة أوسع من صحف الماضي بحكم الاتصال الوثيق بين الحضارة الجديدة والثقافة. وقد أخذت بعض الصحف العربية مؤخرا في الازدهار والتطور والتميز فأعطت الثقافة والفكرمساحة أوسع مما كانت في الماضي، كما اهتمت أيضا بالثقافة الصحية والاكتشافات الطبية الجديدة التي أضحت الصحف تضعها أحيانا في مكان مهم كواجهة الصحيفة والصفحة الخلفية، كما تتابع هذه الصحف ما يجري من مستجدات في التغذية التي تصيغ صحة الإنسان، فالقارئ الحديث يهتم بالتثقيف الصحي والغذائي، خاصة وأن الاكتشافات الطبية والغذائية تتسارع وتتلاحق بشكل يومي وتثير الإهتمام. وسنأخذ نموذجا للصحف العربية الأكثر انتشارا والأكثر اقترابا من الصحافة الحديثة؛ مثل جريدة الشرق الأوسط وجريدة الحياة، وسنلاحظ أنهما توليان اهتماما خاصا بالثقافة، التي تتوزع في صفحاتها في أغلب أيام الإسبوع، فبالإضافة الى الصفحات الرئيسة للإبداع الشعري والقصصي والكتابة النقدية هناك صفحات لأهم الكتب الصادرة الجديدة في الوطن العربي والعالم؛ كما هو الحال في جريدة الشرق الأوسط، وهي كتب تحتوي على معلومات مهمة من الثقافة العالمية وهناك الصفحات الخاصة بالسينما في الجريدتين. ونوعية المادة الثقافية والفكرية مهمة جدا، إذ ليس كل المواد الثقافية متساوية في الأهمية. ومقارنة ببقية الصحف العربية سنلاحظ أن المادة التي تصل الى هذه الصفحات في جريدتي الشرق الأوسط والحياة مرسلة من كتاب متخصصين في مواد الأدب والثقافة بشكل عام من مدن المركز العربية أو عواصم العالم الحديث، من خلال مراسلين يغذون الجريدتين بمواد جديدة تعالجها الأوساط الثقافية والفكرية في لندن وباريس وأمريكا. وفِي صفحة الكتب الجديدة في الشرق الأوسط، نلاحظ أن الكتب منتقاة جيدا وفِي الصفحة ملخص لعصارتها. وهي كتب بعضها صادر باللغة الأجنبية، فالكاتب الذي يعرض الكتاب يتقن اللغة الأجنبية. وتكاد جريدة الحياة أن تكون مشابهة للشرق الأوسط في الإهتمام بالثقافة العربية والعالمية. وأعتقد أن قراءة هاتين الجريدتين تضيفان مادة ثقافية ومعرفية جيدة للقارئ. نحن نعيش في مرحلة يحتاج فيها القارئ العربي الى المادة الثقافية والفكرية والأدبية؛ فغالبا ما تكون هذه الثقافة متصلة بقيم الحداثة التي نحن في حاجة ماسة اليها. وبوسع القارئ العربي اليوم أن ينتقي ويختار ما يناسبه ويغذي عقله ووجدانه من الصحف، ومن كل بستان زهرة. الصحافة في عصرنا الحديث أصبحت رافعة مهمة للتطوير والتنوير والتغيير، والأمر يعتمد كثيرا على الكيفية التي تشتغل بها كل صحيفة. وقديما كنّا نقول أن الصحافة تحمل رسالة، ولا زالت هي كذلك ولكن رسالتها الآن كبرت وإتسعت. الصحيفة اليوم أصبحت جزء من إفطار الصباح، ويفتتح بها الكثيرون يومهم. و رغم أنها لا توازي الكتاب في تكوين المعرفة وتشكيلها، إلا أن لها ميزة مهمة فهي تلتقي بمئات الآلاف من القرّاء بصفة يومية متكررة مما يتيح لها إحداث تأثير أكبر من تأثير الكتاب الذي يهمله معظم القرّاء العرب (للأسف الشديد)، فنحن العرب مجتمعات صلتها بالكتاب ضعيفة والغالبية العظمى من الناس تأخذ ثقافتها من الجريدة. وهذا الأمر يضع مسؤولية أكبر على الصحافة لتمارس تأثيرا متميزا. ويحتاج التنوير والتقدم الى قدر من الحرية التي إتخذت مساحة أكبر الآن في معظم الصحف العربية نتيجة المد الديمقراطي العالمي، وأحد أسباب نجاح جريدتي الشرق الأوسط والحياة هي الحرية المتاحة لكتابها إضافة الى حرية نشر مواد قد تمنعها الرقابة في البلاد العربية. ولو أردنا التطرق الى صحفنا المحلية سنلاحظ أنها تتمتع بقدر أكبر من الحرية مقارنة بالماضي، وهذا يفسح لها المجال لتمارس دورها وتؤدي رسالتها على أكمل وجه. صحفنا المحلية أيضا شهدت تطورا ملحوظا بعد اتساع الحرية المتاحة للنشر، والحريّة المتاحة للكاتب؛ ما يوفر للكاتب الإمكانية لنشر الثقافة الديمقراطية والفكر النير ونقد المؤسسات الرسمية والخاصة والأهلية. ومن جانب آخر فالصحافة كسلطة رابعة تراقب أداء السلطة التشريعية، كما تتابع أنشطة المجتمع المدني والفعاليات الثقافية التي تضاعفت. بهذا فالصحافة تؤدي دورا كبيرا في المجتمع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها