النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

اختلاط الحابل بالنابل

إهدار اللغة في الخطاب الإعلامي العربي..

رابط مختصر
العدد 10664 الأربعاء 20 يونيو 2018 الموافق 6 شوال 1439

قد نكون الأمة الوحيدة في العالم التي تهدر اللغة بلا حياء، ولا تطبق أي نوع من أنواع التقشف والترشيد في استخدامها في الواقع العملي، من دون حاجة إلى ذلك، وذلك لتصوير الخواء الذي نعيشه من مشارق ارضنا العربية إلى مغاربها، مما يقرب استخدامنا للغة بهذه الصورة، في بعض الأحيان إلى نوع من الهذيان وعدم المصداقية.

فنحن الوحيدون على الأرجح الذين يستخدمون صيغة: ألف مبروك ومليون مبروك وترليون مبروك...!! (تخيلوا!)، فقط للتعبير عن لا شيء تقريبًا أو عن شيء تافه تماما، أو عن أمر بسيط سطحي مثل ربح علبة مشروبات غازية، أو الفوز بمائة دينار في مسابقة تافهة، أو الحصول على جائزة من دون أي جهد أو فكر أو اجتهاد، كأن تختار واحدا من ثلاث اجابات عن سؤال مطروح على الهواء مباشرة يقول: أيهما أسرع: الغزال أم الديك أم السلحفاة؟؟.

إننا نكاد نتفرد بين الأمم في منح واسناد الألقاب التي تصف القرد بكونه غزالًا وتجعل من الارنب اسدًا... وهذا ما نلاحظه ونسمعه في العديد من القنوات الفضائية العربية من فقر مدقع في التحليل والمقاربة لشؤون الفن والأدب والسياسة والعلوم، واللجوء في المقابل إلى استخدام مذيعين وسيمين ومذيعات جميلات بالمعيار الجسدي في أكثر الأحيان، مع حرص شديد وثابت على أن يضاف إلى تلك الوسامة ذلك الجمال فقر شديد في الذكاء والفكر والثقافة في أغلب الأحيان طبعًا (مع حفظ الاستثناءات التي لا يقاس عليها لأنها من باب الشاذ الذي يحفظ ولا يقاس عليه)، حيث يفترض في الكثير من الأحيان ان تكون مقدمة البرنامج جميلة دون الحاجة إلى امتلاك المؤهلات الإعلامية والثقافية واللغوية فما بالك بالسياسية، المهم ان تكون مجرد صورة جميلة بلا حياة، من دون ذكاء، من دون إبداع أو موهبة.

 ولذلك لا غرابة أن نستمع من هذا الرهط الكبير في الفضاء الإعلامي العربي وعلى الهواء مباشرة، وعند نقل مباراة كرة القدم أو تقديم أحد المطربين في حفل من الطبل والزمر الموجع للرأس، باستخدام عبارات تهدر اللغة وتحقرها وتبتعد بها عن واقع الحال، من نوع: «قيصر الأغنية العربية وإمبراطور الموسيقى وسلطان الطرب وعملاق التلحين واسد الرقص العربي.... وأمير الشعراء، وسلطان الطرب، وغول القصة، ساحر الموسيقى الشعبية، وإمبراطور الشاشة، وغول التلفزيون ووحش السينما وبلدوزر القصيد..... الخ تلك السخافات وتوزيع شيكات اللغة من دون رصيد على الصغير والكبير في كل شيء تقريبًا: الشعر والقصة والنقد والسينما والمسرح والتشكيل والسياسة والاقتصاد، وفي غيرها من المجالات. وقس على ذلك في الرياضة وخاصة فيما يسمى بكرة القدم العربية، فمع أن فرقنا العربية تكاد تكان الأضعف في العالم، فإنها تحظى بالقاب مضخمة لا تعكس الواقع لا من قريب ولا من بعيد، كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد... أسماء مشتقة من جميع الجوارح التي عرفها التاريخ، مع أنها في الملاعب لا تكاد تحظى بمركز سوى بمراكز متأخرة...

ولذلك لا نستغرب أن نستمع في القريب العاجل إلى ألقاب أخرى-بعد أن تم استنفاد كافة الألقاب المتداولة من عهد هارون الرشيد والاسكندر المقدوني وتيمور لنك وكافور الإخشيدي-من نوع مارشال وجنرال ولواء وغيرها من العبارات والكلمات التي لا علاقة لها في الواقع بأي شيء ذي صلة بالموضوع.

ومما يدعو إلى الحنق والغضب حقيقة اتساع مساحة المبالغات السطحية التي افقدت الكلمات معناها في المعجم وابتعدت بها عن الاستخدام الرشيد، إذ لم يعد هؤلاء يكتفون بألف مبروك ومليون مبروك، فانتقلوا بنا إلى ترليون مبروك مرة واحدة... ولا ندري كيف حسبوها؟؟!

إن مثل هذه الظواهر الغريبة التي تكاد ينفرد بها بعض مستخدمي اللغة العربية خاصة على الصعيد الإعلامي، تستخدم المبالغة المدهشة في إهدار استخدام اللغة من خلال إطلاق الشعارات وخلع الألقاب على الأفراد والأفعال بشكل يدعو للضحك والسخرية، كما أن خلع مثل هذه الألقاب الفارغة من أي محتوى غالبًا ما تعكس فقرًا شديدًا في الإبداع وعجزًا عن التوصيف والنقد، من خلال المبالغات الفجة والمضحكة، كالشيكات بدون رصيد غير قابلة للصرف وان كان شكلها الخارجي يوحي بأنها ذات قيمة. ولعل بعض المذيعين والمذيعات عندنا، واستعدادًا للحفلات المقبلة والمباريات القادمة، هم بصدد البحث في مصنفات اللغة وفي معجم البلدان لياقوت الحموي ومعجم الإعلام لخير الدين الزركلي ومعجم الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان...، عن المزيد من الألقاب الفارغة مثل الشيكات الخاوية من أي رصيد.

 

من المؤسف حقًا أن بعض قنواتنا الفضائية وابواقنا الدعائية بالرغم من كونها تعيش حالة مزرية من الفقر الفكري والبؤس الإبداعي...فإن لا مانع لديها ان تدرب سمع المواطن العربي على المبالغة اللغوية والشقشقة اللفظية مثل الرحى التي تطحن قرونا، فنسمع جعجعة ولا نرى طحينا.

ومع ذلك، من يدري... فقد تكون هذه المبالغات السخيفة هي المطلوبة أصلًا من أجل التسطيح والتسخيف، ولله في خلقه شؤون..؟.

 

همس

النخل، والجالسون في الظل،

يحدقون في الفراغ، موحش فيه الأسى والضَّجر.

أخاف وحيدًا في الفيافي،

طريق بلا عودة، يشرق الليل في ثناياه.

نوافذَ تعبسُ حين الرذاذ الشمالي يداهمني،

في بلاد غيَّرها الزمان...وغيرتني النوافذ.

ماذا بقي من بغداد الموجوعة،

ومن دمشق الحائرة بين نافذتين؟

ماذا بقي من الكروم ودجلة؟

ورود تذوي في دم وجعي،

ومن الاسوار التي رحلت عن مكامنها.؟!!

ضمني إليك أيها الليل، فقد اضعت دفتري، بحثا عن ظل أخير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها