النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

فضاء الحرية

رابط مختصر
العدد 10660 السبت 16 يونيو 2018 الموافق 2 شوال 1439

مفهوم الحرية ملتبس وحمّال أوجه، فَلَو عرضته على عدة أشخاص ستتعدد تفسيراتهم وأوصافهم، وهو مثل مفاهيم أخرى تأخذ نفس الصيغة في اختلاف التأويل والدلالة والمعنى. 

المفاهيم الأخرى المشابهة والملتبسة كثيرة أشهرها مفهوم الحقيقة والعدالة والجمال والحب أيضا، لكن هذا لا يمنع من محاولة الاقتراب من المفهوم وتفسيره حسب ما نراه. 

أكثر استخدامات كلمة الحرية تأتي محملة بمعنى الخروج من ربقة سلطة تتحكم في حياتنا وتسلب منا حرية اختيار نظام حياتنا، والطريقة التي نراها مناسبة في سبل عيشنا، قد تكون هذه السلطة  متمثلة في سلطة الدولة أو سلطة المجتمع أو سلطة مؤسسة تعمل فيها أو سلطة أفراد. وتأتي حرية التعبير في الواجهة والأولوية بخاصة في الكتابة. 

في إحدى جلسات نجيب محفوظ الأسبوعية مع أصدقائه ومحبيه الذين كان يسميهم (الحرافيش)، وهو اسم لأحد أهم رواياته، قال أحدهم ممازحاً الكاتب الكبير في العام 1982: (لقد فاز الكاتب الكولومبي غارسيا ماركيز بجائزة نوبل، وأنت لم تحصل عليها)، فقال نجيب محفوظ دون تردد: هو يمتلك حرية في التعبير لا أمتلكها. 

كان نجيب محفوظ يعرف أهمية الحرية للكتابة والكاتب وهو اختبر أهميتها جيداً، وقد حاول في مؤلفاته الهروب من الرقابة والتحايل على الرقيب بالروايات الرمزية في أولاد حارتنا والحرافيش وثرثرة فوق النيل وغيرها من الروايات، حتى فاز بجائزة نوبل في العام 1988. 

وكانت مصر تتمتع بحرية أفضل من معظم الدول العربية، وقد لاحظت ذلك شخصياً في روايات نجيب محفوظ والجيل الذي جاء بعده من الروائيين أمثال جمال الغيطاني وإبراهيم عبدالمجيد وصنع الله إبراهيم الذي فاجأ المحتفلين بتكريمه بجائزة الدولة برفض الجائزة احتجاجًا على النظام والفساد في عهد حسني مبارك.

 وليست الحرية ضرورية جداً للكتابة الأدبية فقط، فجميع أشكال الكتابة والتعبير تزدهر في مناخ الحرية وتنكمش في غيابها، وهي أحد الأسباب الرئيسية في تفوق الغرب في الأدب والثقافة والصحافة. الحرية تمنح الكاتب فرصة قول كافة الأفكار والآراء التي يُؤْمِن بها دون تحفظ أو خوف. 

وعندما يفتقد الكاتب هذه الحرية يتجه للكتابة في المواضيع الصغيرة والجانبية ويترك المواضيع الأكثر أهمية لكي يضمن البقاء في المساحة الآمنة دائماً خوفاً من العواقب غير المحمودة، وهو يترك في هذه الحالة متن الحقائق جانبا، ويذهب الى الهوامش ويكتفي بالقليل من الصراحة والصدق وربما يتحاشاهما تماماً. 

الكاتب بدون الحرية كائن مكتوم الأنفاس ومذعور ومتردد يرتعش قلمه ويتلعثم لسانه. تفتح الحرية للكاتب كل الأبواب الواسعة للتعبير والنقد والمكاشفة ومعالجة الأمور الجوهرية والأكثر أهمية، فيكشف كل العيوب، ويبسط جل الحقائق، ويتعرض لشتى النواقص الكبيرة قبل الصغيرة، وهو بذلك يجعل المعوقات الكثيرة للتقدم والتطوير تحت المجهر وفي غاية الوضوح، فيساعد المجتمع للحراك الى الأفضل وإلى الأعلى. ويحتاج الكاتب الصحفي الى هذه الحرية أكثر من غيره، فهو يتعرض للمشاكل الحساسة والمهمة التي يمر بها المجتمع، فيبسطها ويثيرها أمام قطاع واسع من القرّاء، معرضاً نفسه لغضب السلطة وعقابها، لذا يواجه الكاتب الصحفي صعوبة في بسط الحقائق في الأنظمة الاستبدادية حيث ترزح الكتابة تحت الرقابة المشددة، بسبب قوة الكلمة وانتشارها بين ملايين القرّاء، وفِي البلدان الصغيرة بين مئات الآلاف، ولهذا السبب أصبحت حرية الصحافة دلالة ومقياساً بارزاً على التوجه الديمقراطي للنظام، أي نظام، كما هي دلالة على مصداقيته. 

وغالباً ما تمتلك الديمقراطيات العريقة حرية صحافة أوسع من الديمقراطيات الحديثة. يبقى مجس الصحافة هو الأهم بالدرجة الأولى لمعرفة مسافة الديمقراطية. 

وتمنح الصحافة في الغرب هذه الحرية الواسعة بحكم القانون لكي تمارس دورها الريادي في مراقبة السلطة التنفيذية (الحكومة)، إذ يحق لها أن تطلب معلومات عن أي ملف في الوزارات أو في المؤسسات الحكومية، على أن ترد عليها الهيئة المخصصة خلال فترة لا تتجاوز شهرين. الصحافة الغربية لا تترك المخالفين للقوانين والأنظمة وإن كانوا وزراء أو مسؤولين كبار يتمتعون بالسلطة والنفوذ، فالقوانين تسندها وتقف في صفها، لأن الصحافة تمثل سلطة المجتمع والرأي العام، وهي الساهرة على المصلحة الجمعية، وبهذه الآلية التي تتيحها الحرية يتطور المجتمع بشكل متصاعد وسريع. وهذا الصعود المستمر له انعكاسات كبيرة على المستقبل. وعندما نلتفت للغرب، سنجد أن آلية الحرية هي التي أسست لتحويل المجتمعات ودفعها الى الأمام.

  يبقى أن نذكر أن الحرية هي مسؤولية أيضا، ولا يجب أن نغفل عن ذلك، فقد نستخدم هذه الحرية بطريقة سيئة نتيجة عدم وعينا بمسؤليتها بخاصة في مجتمعات لم تألفها جيداً، فتتحول الى أداة للهدم لا البناء، وكلما اتسعت الحرية زادت المسؤولية، فأنت لا تحتاج لتراقب ما تكتب في النظام الشمولي غير الديمقراطي، إذ تكون مبرمجا على الخوف والحذر والحيطة والتقاضي عن النواقص والأخطاء، لكن مع الحرية أنت تقول الكثير، وتكتب الكثير وفِي هذه الحالة قد يخونك قلمك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها