النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

موتوا بغيظكم.. فشل مؤامرة «حلفاء الشر» ضد الأردن

رابط مختصر
العدد 10660 السبت 16 يونيو 2018 الموافق 2 شوال 1439

مرت منطقتنا خلال الأيام الماضية بحدث خطير كاد أن يلقي بالأردن في التهلكة لولا دعم أشقائه الخليجيين، وسرعة تجاوب السعودية والكويت والإمارات بحزمة مساعدات اقتصادية عاجلة قيمتها 2.5 مليار دولار؛ بهدف إنعاش الاقتصاد الأردني وجعله ينهض من كبوته وعثرته. ولم تشكل تلك الأزمة الاقتصادية مفاجأة للقريبين من المشهد الأردني، فالكل كان يعلم مدى خطورتها على حياة السكان، ما دفع رئيس الوزراء الجديد عمر الرزاز الى سرعة نزع فتيل الأزمة المشتعلة بالشارع لأكثر من أسبوع تقريبا، ليعلن فور إعلانه توليه منصبه وحتى قبل تشكيل حكومته سحب مشروع قانون ضريبة الدخل الذي أثار جدلاً واسعًا ببلاده وتتسبب بالأزمة التي استغلها البعض لمصلحتهم في محاولة لفرض واقع سياسي وليس اقتصاديا على الأردن، خاصة وأن هؤلاء المحرضين أشاعوا أن الأزمة سياسية وأنها تدخل في إطار لعبة «الربيع العربي» وأن هذا الربيع قد حان آوانه بالأردن. ولم يكتف هؤلاء المحرضون ومنهم بالمناسبة جماعات الإسلام السياسي ودول بالمنطقة، ببث بذور الفتنة بين القيادة الأردنية والشعب، وإنما زايدوا على مصلحة هذا الشعب لتصور الأزمة بأنها علاقة فارقة بين القيادة والشعب، فإما تبقى القيادة الأردنية كما هي وإما يبقى الشعب.. ولكن في النهاية فطن الجانبان - القيادة الأردنية والشعب- لجذور الفتنة لتعود الحياة الطبيعية بالأردن، رغم أن قرار الحكومة الجديدة بسحب مشروع قانون ضريبة الدخل لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة، هذا في ظل المطالب العديدة بضرورة تغيير هذا النهج في دعم الموازنة الأردنية، وبالتالي لا يكون أمام الحكومة حاليًّا سوى إنتاج سياسات اقتصادية جديدة ومحفزة لدعم موارد الدولة وتكون مقنعة للمواطن العادي.

نعود لبذور الفتنة وما أشاعه المغرضون بأن هذا «الربيع» يعود للشارع العربي من جديد رغم أن أي شارع عربي بات يكره هذا التعبير أو الوصف البغيض للربيع، فهذا الربيع عاد على سوريا واليمن وليبيا بأشد الويلات والحروب الأهلية. راهن على تكرارها المغرضون بأن «الربيع العربي» قد غزا الأنظمة الملكية التي كانت معصومة من التوتر والاحتقان السياسي، ولكننا نكتشف أن تطورات الأحداث بالأردن فندت زيف مثل هذه المزاعم، وأنه ليس هناك أي علاقة بين هذا «الربيع العربي» وما جرى بالأردن، فالمظاهرات كان دافعها اقتصاديًا بحتًا وليس سياسيًا لتغيير نظام الحكم أو الاعتراض عليه. ففي بقية الأنظمة السياسية التي تعرضت لمثل هذا الربيع الغاشم والحروب الأهلية ودمار الدول وتشريد الشعوب، كان يعيب تلك الأنظمة أنها «طرشاء وعمياء»، أو كما يقول المثل المصري«ودن من طين وودن من عجين». 

فالأنظمة التي نتحدث عنها لم تلقِ بالا بحاجات شعوبها وضرورة تطوير حياتهم اقتصاديا واجتماعيا، بعكس القيادة الأردنية فهي تتبنى سياسات عملية طوال الوقت وقريبة من الشعب ولا تتوانى في تغيير أي حكومة تقف ضد إرادة هذا الشعب، فهي تضحي بالحكومة من أجل مصلحة شعبها، وهذا عهدها دوما لأنها ترتبط برباط وثيق مع مواطنيها، وتدير الأزمات قياسا بنبض الشارع وليس بنبضها هي، وتتعامل مع الحراك الشعبي قبل أن يبدأ، ويؤكد لنا تاريخ تغيير الحكومات بالأردن أن التضحية بالحكومة هو الحل الأسرع والأمثل عند مواجهة أي أزمة. وفي الأزمة الأخيرة تحديدا، فات على المغرضين أو لعلهم تناسوا أو تعامت أعينهم عنه، أن سبب الأزمة الاقتصادية بالأردن يعود الى تدخلات صندوق النقد والبنك الدوليين والأزمات الإقليمية التي باتت تعصف بالأردن الذي يعد أكبر مستقبل لموجات الهجرة واللجوء من سوريا حاليا والعراق إبان أزمة الخليج وما بعدها ثم بداية باللاجئين الفلسطينيين. 

ومن هنا ندرك أن أسباب الأزمة خارجة عن إرادة القيادة السياسية الأردنية، ومن هنا كانت سرعة استجابة دول الخليج والوقوف جانب الأردنيين في محنتهم، في خطوة تعكس حجم استيعابهم للمخاطر التي تحيط بالأشقاء ومدى استشعارهم بالمخاطر المحدقة بدول المنطقة وضرورة الحفاظ على أمن الأردن واستقراره وإنقاذه من براثن الفوضى.

كما فات على المغرضين الذين يسارعون الى استغلال أي حدث طارئ بدولة عربية مستقرة لبث بذور الخراب بها، أن القيادة الأردنية نجحت في الاستثمار في المواطن الأردني، بجودة تعليمه ليكون عنوانها في الخارج والخليج، وباتت المستشفيات الأردنية قبلة علاج للعرب لجودة الخدمات الطبية المقدمة للمرضى من كل حدب وصوب. ومن نافلة القول إن البعض يعلم تماما تصرفات بعض الدول حيال العمال الأردنيين بها، حيث تتعامل معهم بترمومتر مدى علاقة عمّان بالسعودية والإمارات والبحرين، فإذا العلاقات ممتازة يتعرض العامل الأردني للابتزاز والمضايقات والعكس صحيح، واعتقد أننا أدركنا الآن مدى ما يعانيه العمال الأردنيون في هذه الدول، بهدف الضغط على الحكومة الأردنية وإثارة حالة من الضغط الشعبي والحراك الاجتماعي لزعزعة تلك الحكومة.

وبما أننا نتحدث عن مؤامرات تحاك ضد الأردن، فالمملكة تتعرّض لما نستطيع وصفه بـ«المؤامرة» الدولية عليها، وتقود هذه المؤامرة الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل بهدف الانتهاء من «صفقة القرن» وإجبار الأردن على القبول بها والموافقة عليها والمشاركة فيها مضطرة بغض النظر عن قناعاتها الحقيقية الرافضة لمثل هذه الصفقة. وبدون الدخول في تفاصيل بالتركيبة السكانية الأردنية، فعمّان ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقضية الفلسطينية وتطورات الصراع العربى - الإسرائيلى. 

ومن الطبيعي أن ندرك في مثل هذه الأوضاع والتطورات والتوقيت مدى الدور الأردني الذي تنتظره واشنطن وتل أبيب؛ من أجل تمرير صفقة القرن لصالح إسرائيل، وبالتالي ليس أمام واشنطن وتل أبيب سوى إثارة الفتن داخل المملكة عبر صندوق النقد والبنك الدوليين، ليكون الاقتصاد والدوافع المعيشية هي معول الهدم في المملكة وإلا ترضخ للموافقة على الصفقة وتسويقها لبقية الدول العربية.

فالفكرة جهنمية وكذلك الفعل، حيث أن دور الأردن ضروري ولا مناص منه فى أى مفاوضات تتعلق بالدولة الفلسطينية ومستقبل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي خاصة ما يرتبط بوضع مدينة القدس، والتي يتحمل الأردن مسؤولية الإشراف على الأماكن الإسلامية المقدسة بالمدينة كالمسجد الأقصى وقبة الصخرة، حتى بعد استيلاء إسرائيل عليها فى يونيو 1967.. وندرك أيضا أن أحد أهم مصادر شرعية الأسرة الهاشمية منذ بدء الصراع هو استمرار دور المملكة الهاشمية الخاص بالقدس، ويزداد الموقف خطورة بعد تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة وإعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل ثم افتتاح السفارة الأمريكية بها في مايو الماضي مما زاد من الأزمة، تمهيدا لتمرير صفقة القرن البغيضة.

لقد تحمل الأردن تبعات موقعه الجغرافي، فكان ملاذًا آمنًا للفلسطينيين في 1948 و1967 ثم العراقيين بعد غزو العراق للكويت ثم تحمل العبء الأكبر من الأزمة السورية وكان الملجأ الآمن للنازحين السوريين من الحرب الأهلية في بلادهم، فالأردن إذن هو الملاذ للمنكوبين العرب، فيما سعى البعض لجعله أن يكون هو المنكوب ولكنهم يمكرون والله خير الماكرين. فقد أرادوا إشعال عود الثقاب ببرميل الأزمة الاقتصادية واستغلال الحكومة السابقة فرض ضريبة الدخل، ولكن سرعة احتواء القيادة الأردنية والسعودية والإمارات والكويت لأبعاد الأزمة ساهم في تخفيف الاحتقان في دولة كانت ضحية لموقعها الجغرافي وتركيبتها السكانية، وتكالب البعض عليها لإسقاطها وتدميرها.

قبل الأخير...

ربما ذكرنا مشهد اللقاء التاريخي بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم يونج أون بمشهد آخر كان بطلاه هما الرئيسان الأمريكيان ريتشارد نيكسون والصيني ماو تسي تونج، فالمشهد الأول جاء نتيجة ما أطلق عليه «وفاق البنج بونج» ارتباطًا بمباراة تنس الطاولة الشهيرة التي جمعت منتخبي البلدين لتذيب عشرات السنوات من القطيعة والحروب بين البلدين.. 

والمشهد الأخير ربما يكون بداية لعهد جديد أيضا من التوافق بين واشنطن وبيونج يانج بعد عقود من القطيعة والتلاسنات والحروب التي أسفرت عن مقتل ثلاثة ملايين كوري و37 ألف أمريكي، وأكثر من مائتي ألف متطوع صيني؛ نتيجة حرب أعلنها كيم إيل سونج جد كيم يونج أون عام 1950.

 وبغض النظر عما يتردد عن أسباب تغير سلوك الرئيس الكوري الشمالي بعد عهود من اطلاق التهديدات بسحق العالم والولايات المتحدة بسلاحهم النووي، وهل أقنعته الصين أكبر داعم لبلاده من مخاطر العزلة والعقوبات الدولية وسقوط بلاده تحت وطأة الجوع والانهيار الاقتصادي؟.. فإن المصافحة التاريخية بينه وبين ترامب قد تمنح الأمل لمنطقة شرق آسيا في العيش بسلام وآمان من المخاوف النووية واحتمالات نشوب حرب في أي وقت.. فكيم يونج أون يعتمد في مصافحته على ترسانة نووية تؤهله لاستمراره في تهديد العالم ما لم ينفذ الشريك الأمريكي تعهداته بشأن صفقات اقتصادية واستثمارية وتحول كوريا الشمالية الى نمر اقتصادي جديد على غرار النمور الآسيوية.. وربما يكون رئيس كوريا الشمالية قد فطن جيدا لنجاح التجربة الصينية، أي استمرار النهج الشيوعي في إدارة البلاد سياسيا ولكن مع تدشين سياسة اقتصادية مغايرة كما فعلت الصين، فهي لم تتخلَّ عن كونها دولة اشتراكية ولكن بمفهوم اقتصادي جعلها تغزو العالم وتهدد عرش الاقتصاد الأمريكي الذي فرض عليها إجراءات حمائية للحد من توغلها في الاقتصاد العالمي.

من المؤكد أن كلا الطرفين يمتلكان نقاط قوة ودخلا القمة وهما يتسلحان بها، لكن المؤكد أن لا أحد بالمنطقة يريد الحرب وشرورها، فالمواجهة صعبة لم يعد بمقدور تطرف تحمل تبعاتها، فكوريا الشمالية تعول على الصين في ميزانيتها فيما قررت بكين تخفيض حجم معوناتها الاقتصادية لبيونج يانج، وأمريكا تكفيها مآسيها ومعاناتها مع الحروب الكثيرة التي خاضتها وكلفتها مئات الآلاف من الضحايا والنعوش الطائرة، وكوريا الجنوبية تتخوف من ضياع كل ما حققته من نهضة اقتصادية جعلها ضمن أقوى عشرين اقتصادًا بالعالم. 

كما أن كلا الطرفين يدرك حقيقة ما يريده الآخر، فترامب يسعى لإثبات إمكانية استمرار بلاده كدولة متصدرة للنظام الدولى، وكذلك النفاذ للحديقة الخلفية للصين بصفته رجل الصفقات.. أما كوريا الشمالية توصلت لدرس مفاده أن استمرار الانغلاق للأبد أمر غير ممكن، وأنه من الممكن تحقيق معجزة اقتصادية تكرارًا لتجربة الصين وبقية الدول الآسيوية عبر استغلال انضباط وجدية شعبها مع بقاء النظام الشيوعي فى الحكم بشكله الجديد. 

تعلّمنا قمة سنغافورة بين ترامب وكيم يونج أون أن الجميع أدرك عدم جدوى المواجهات المفتوحة والتهديدات المستمرة، وأن العالم يدار حاليا بمنطق الصفقات. وليس أمامنا سوى الصبر لرؤية ما أسفرت عنه القمة، فالعملية معقدة ولن تنتهي بين عشيّة وضحايا، فالمفاوضات صعبة ولم تتكشف الكواليس بعد، ثم نرى من انتصر في تلك المصافحة، هل العالم بأسره؟.. أم سيدة العالم أي الولايات المتحدة؟.. أم كوريا الشمالية والصين؟.. فلننتظر ونرَ ما ستكشفه الأيام والأسابيع المقبلة.

كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها