النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

جدل التحالف مع الإسلام السياسي

رابط مختصر
العدد 10655 الإثنين 11 يونيو 2018 الموافق 26 رمضان 1439

في سياق الرد على ما جاء في مقال سابق حول التحالف بين قسم من اليسار العراقي وتيار الصدر في الانتخابات الأخيرة، وما أثاره ذلك من مناقشات متجددة حول إمكانيات وآفاق التحالف بين بعض قوى الإسلام السياسي والقوى المصنفة مبدئيا بأنها ديمقراطية تقدمية، منها، كتب لي أحد الأصدقاء تعقيبا، «لتصحيح الصورة التي يعتبر أنني أسهمت في تشويهها»، جاء فيه: «ان اليسار - بعكس ما وصفته -هو القوة الممتلكة للوعي القادر على فهم حركة التاريخ، وأن شيوعيي العراق لم يدخلوا في التحالف مع الصدريين من باب تبني الأيديولوجيا التي يتبناها هذا التيار الديني السياسي، وإنما جاء تحالفهم معهم ترجمة لوعي اللحظة التاريخية الحاسمة التي تحتاج إلى رص الصفوف، في مواجهة محاولات الابتلاع للعراق من قبل ايران، ومن قبل الفاسدين. فالذي جمع بين الاتجاهين هو التأكيد على الوطنية العراقية ورفض التدخل الأجنبي والهيمنة الامريكية الإيرانية، والامر الثاني هو محاربة الفساد والفاسدين، وهذان أمران يتجاوزان الأيديولوجيا والأفكار الجاهزة. ولذلك اعتقد ان خيار الشيوعيين العراقيين كان خيارا سليما وحكيما من وجهة نظري. كما انني - والكلام ما يزال للصديق- أرفض وصفكم لقوى اليسار بكونها فقدت هويتها اليسارية، فالواقع غير ذلك تماما، فاليسار لم يفقد هويته، وانه ما يزال يحتفظ برؤاه، ووفيا لمنابته الفكرية. وانما جاء التقاؤه مع الحراك الديني (الذي أسميته طائفيا، وأنا أسميه وطنيا ديمقراطيا) في التجربة البحرينية، ثمرة لقراءة متأنية لتحولات الواقع ومستلزماته. ولذلك كان لزاما ان نبني جبهة مع اوسع القوى الوطنية للضغط من أجل تحقيق المطالب في الإصلاح والديمقراطية»..

هذا ملخص تعقيب الصديق دون تغيير أو تحوير في فحواه، والحقيقة ان هذا الكلام يخفي مساحة واسعة من الخلط، لأنه يحيل الى ديماغوجية حقيقية يحاول بعض من لا يمتلك القدرة على مراجعة أخطائه- مثلما فعل الإخوة في المنبر الديمقراطي على الأقل بالعودة الى وضعهم الطبيعي كيسار ديمقراطي يمكن ان ينخدع لحظة بالخطاب والحراك الطائفيين، ولكنه لا يمكن ان ينخدع إلى ما نهاية- فالصديق خرج بنا من سياق تحليل حالة محددة شهدتها الانتخابات العراقية الأخيرة (وكان من نتائجها كرسيان للشيوعيين العراقيين في البرلمان كانا محل سرور وفرح غير مسبوقين وكأنهما الفتح المبين)، إلى عكس الأمر على الحالة المحلية- مع اختلاف بيّن بين الوضعين، وذلك في سياق التبرير المعتاد للحلف الذي حدث قبل 2011م وما بعده وتداعياته الكارثية على المجتمع قاطبة وعلى المجتمع السياسي بوجه خاص، بانحيازه للخيارات الطائفية المغلفة، من خلال خطاب انعزالي عدمي، يتخفى وراء خطاب ديمقراطي وطني مفارق للممارسة وللخلفية الفكرية لأي فكر ديمقراطي تقدمي وطنيا، بمعنى أنه مضاد ( لليمين) بالمعنى الاجرائي على الأقل، سواء على صعيد المنوال التنموي الاقتصادي (رأسمالي- اشتراكي) أو على صعيد المرجعية الأيديولوجية ( النظرة الميتافيزيقية في مقابل النظرة المادية للحياة). 

ولن استشهد هنا بأية نصوص او مقاربات قديمة، تعود إلى ماركس أو انجلز او حتى لينين أو ماو تسي تونغ في قراءته للمجتمع الصيني، او مقاربة انطونيو غرامشي للمجتمع الايطالي او ما قدمه هربرت ماركيز أو استعراض إضافات فرانز فانون وريجيس دوبريه عن تغيير العالم، فهو أمر- رغم أهميته في مثل هذا النقاش- ليس ضروريا، ولكن دعونا نستشهد بمواقف ورؤي اليسار في عدد من البلدان العربية الأخرى، حيث لم تقده التحولات ولا الاغراءات ولا حتى مطامع السلطة، الى التحالف مع قوى الإسلام السياسي، لإدراك هذا اليسار، بأن مثل هذا التحالف لن يكون لمصلحة الناس ولا لمصلحة التقدم والديمقراطية. وبدلا من ذلك عمل على انتاج النص البديل لواقع جديد ينسجم مع نمو الواقع الاجتماعي والسياسي المحلي الجديد. بعكس الخطاب العدمي المفرغ من العمق والواقعية، والذي ساد وما يزال يسود عندنا، وأصبح عقبة مظللة على المهام التاريخية، باعتباره قائما على جملة من الشعارات التي تفقد بريقه كلّما تلبست بأشكال مختلفة من الإسقاطات واللاّواقعية، مما أنتج ضربا من القصور الفكري يدفعنا إلى التساؤل عن المصلحة في إدماج اليمين الطائفي داخل أنسجة المجتمع المدني أو مشروع الدولة المدنية الديمقراطية.

إن المسألة هنا قد تجاوزت مجرّد التحالف السياسي الظرفي، لان التحالف كمصطلح يحيل إلى شيء من التغايّر والتضادّ في مرجعيات الأطراف المعنية به، إلا أن الأمر عندنا أصبح إعلانا صريحا عن نوع من الانحدار الإيديولوجي إلى أعمق غياهب الماضوية في تجسدها الأكثر عنفا وانغلاقا، رأيناها في البيانات والشعارات العدمية والتسقيطية والتهديدات والغرور السياسي الذي قطع الطريق عن أي حلول وسطى واقعية. 

إن التيار اليساري الذي يحتضن الرجعية الطائفية المتشددة (أو تحتضنه)، تحالفا أو تبريرا أو تأويلا، يتصرف من داخل منطقه البرغماتي بشكل يقتل في براغماتيته ذاتها كل دلالة على أي نتائج إيجابية في الحياة السياسية، باعتباره قد قفز على شكله ومضمونه، ليتحوّل إلى مجرّد مروّج سياسي لمشروع الآخر المستند إلى ماضوية الخطاب، ورجعية الخيار الاجتماعي الاقتصادي، بالاختباء وراء الشعار التحديثي، ووراء الواجهة «المدنيّة للدولة» للانقضاض لاحقا على مكاسبها، والتزين بالثورية الطافحة التي ينكشف زيفها عند تسرّب رائحة «مفاعيل الفوضى الخلاقة» بما تحمله معها من خلائط مستنسخة تحاول طمس معنى الدّولة الوطنية، وتذويب استقلاليتها ووحدتها الوطنية وشرعية نظامها السياسي، من خلال التنسيق والتواصل مع الأجنبي الذي وصل به الأمر إلى الاشراف المباشر على الحراك الذي عايناه في 2011م وما تلاه، بوضوح الموثق بالصوت والصورة.

إن التجربة التقدمية التي كانت منتجا حداثيا، تحولت الآن لتحلق خارج فضائها الرّحب بتعلة «انسداد الآفاق»، وهي على ذلك لم تدرك ان ما أنتجه المسار السياسي الديمقراطي من تباينات وحتى صراعات، هو في النهاية اختلاف داخل ثوابت ومؤسسات النظام الحداثي.

أما ما أتحفونا به من توليفة يساريةـ تخالطها الشبهة الطائفية، فهي تعكس مسارا تراجعيّا، يقع خارج الحد الأدنى الحداثي المشترك الذي أنتج توافقا وطنيا وتجربة تعدّدية كان يمكن أن تكون قابلة للتطوّر خارج الانفعالات وتتدرج نحو أفق أوسع.

وباختصار، فإن هذه الجماعة التبريرية تعيش اليوم مأزقا وجوديا، يدفع بها -إن عاجلا أو آجلا- إلى أحد طريقين: التطور من الداخل تطورا عميقا وحاسما يجعلها أكثر قدرة وابداعا على التعامل مع الواقع الجديد، وإما أن تموت بصمت وهدوء وكفى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها