النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10906 الأحد 17 فبراير 2019 الموافق 12 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:54AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

الخيار الديمقراطي

رابط مختصر
العدد 10653 السبت 9 يونيو 2018 الموافق 24 رمضان 1439

لم تتحقق الديمقراطية «الكاملة» في الغرب بين ليلة وضحاها، وتطلب الأمر قروناً من التطورعلى كل المستويات الثقافية والسياسية والاقتصادية ويذكر الكاتب نبيل ياسين متحدثاً عن الديمقراطية في الفكر الغربي فيقول: «لم تكن الديمقراطية يسيرة ولا قصيرة. لقد اقتضت أربعة قرون من التضحيات والصراعات والثورات وأعمال العنف. ومن الصراع الأيديولوجي والاجتماعي والفلسفي والسياسي والاقتصادي ومن التحريم والتكفير والنفي والإحراق».

التكامل الديمقراطي الذي نراه اليوم في الغرب بدأ في القرن الرابع عشر وامتد الى القرن الثامن عشر «قرن التنوير»، قبل ذلك عانت الدول الغربية من الصدامات الدينية الطائفية الدموية في القرن السابع عشر، حيث تواجه الكاثوليك والبروتستانت ودخلوا في حروب طائفية طويلة وطاحنة، كان أشهرها حرب الثلاثين عامًا في ألمانيا «1618 ـ 1648» التي أودت بحياة الملايين. انخفض عدد سكان ألمانيا في هذه الحرب من عشرين مليوناً الى ثلاثة عشر ونصف مليون. في القرن الثامن عشر بلغت المجتمعات الغربية سن النضج حيث أطلق الفيلسوف عمانويل كانط صيحته المدوية «شغلوا عقولكم أيها البشر».

وعرف كانط هذه المرحلة بخروج الإنسان الغربي من «مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج»، وهي المرحلة التي خرج فيها الإنسان من عباءة التبعية الفكرية لرجال الدين المسيحي الى الاستقلال في التفكير ليستنبط مواقفه وقراراته بعقله، دون تأثير أو تبعية. كانت الليبرالية التي تأسست في الغرب في نفس الفترة تتحدث عن الحرية الشخصية، وتعلي من شأن التفكير الحر، والقدرة على اتخاذ القرار دون موجه أورقيب.

وهي نفس الفترة التي تبلورت فيها حقوق الإنسان التي كانت أحد شعارات الثورة الفرنسية. الفكر الديمقراطي في الغرب نشأ في اللحظة التي انتبه فيها المفكرون الى أهمية أن يحكم الناس أنفسهم من خلال اختيار ممثليهم في مجلس تشريعي منتخب، ترافق ذلك مع خروج الناس من وصاية اللاهوت المسيحي المهيمن فانتقل المجتمع من الثقافة الدينية الطائفية الى الثقافة العقلية الحديثة. ولو أردنا نحن العرب الاستفادة من خبرة الغرب المتقدمة ونحن نمر في مرحلة مشابهة فلنلاحظ أنهم لم يصلوا الى الاستقرار والسلم الأهلي الا بعد أن تجاوزوا الطائفية الدينية، واستبدلوها بالتعددية الفكرية في المجتمع الواحد وقبول الآخر المختلف والتعايش معه، تحت سقف الدولة الوطنية. الغرب الحديث الذي ينعم بالسلم الاجتماعي والتطور الاقتصادي المتقدم الآن يبدأ بعد هذا التاريخ. هم أيضا مروا بما نمر به الآن من اصطفاف طائفي أدخلنا في متاهات سياسية لم تنقشع غيومها بعد.

والاصطفاف الطائفي في بلادنا كما نعرف كلفنا الكثير، وسيكلفنا أكثر اذا استمر على نفس الوتيرة. لقد أدى هذا الانقسام الى تعطيل نمو الديمقراطية وهي في بداياتها الأولى في وقت كانت تحتاج فيه الى الرعاية التي لا تتوفر إلا في ظروف السلم الاجتماعي. الديمقراطية تبدأ نبتة صغيرة ثم تتحول بالرعاية الى شجرة وارفة الظلال تؤتي أكلها للجميع، لكن الاصطفاف الطائفي حول مجرى الأحداث في بلادنا، فأصبحت الأولوية للإهتمام بالسلامة الوطنية. بالنتيجة فالانقسام الطائفي كان وبالا على مجتمعات الغرب وهو وبال علينا الآن، وهو يعمل ككابح شديد التأثير على التطور والتنمية. ويمكن أن نتعلم أكثر من درس من التجربة العراقية، حيث قوض الاصطفاف الطائفي البلاد بأسرها ودمر اللحمة الوطنية، ودخلت العراق في أسوأ مراحلها قاطبة حيث تجذر الفساد وتعرضت البلاد لتدخلات خارجية. وكانت أجواؤنا الديمقراطية في بلادنا واعدة مع انطلاقة الميثاق، فكانت حصيلتها مجالس نيابية جيدة، وكان بوسع القوى الوطنية أن تعمق التجربة الجديدة فتطالب بإصلاحات وإضافات تشريعية جديدة.

 خروج القوى السياسية من المشهد خلق فراغا كان لابد أن يفتح المجال لنواب ليسوا في مستوى هذه المسؤلية الكبيرة. يقول الباحثون في الديمقراطية أن البرلمان ذا الكفاءة العالية يعزز الديمقراطية، فيما البرلمان الضعيف يضعفها. وفي أحسن الحالات يبقيها في مكانها. عندما يكون البرلمان معافى وفاعلا تحسب له السلطة التنفيذية ألف حساب فتجتهد وتتجنب الفساد ولا تستطيع المساس بمصالح الشعب وعلى العكس تماما عندما يكون البرلمان هزيلاً تستطيع السلطة التنفيذية الإضرار بمصالح الشعب وبوسعنا أن نرى ما حدث لمصالح الشعب من أضرار بسبب البرلمان الهزيل. إن أداء السلطة التنفيذية مقرون بقوة السلطة التشريعية. والبرلمان العالي الكفاءة يسد الثغرات الموجودة في التشريع، ويستبدلها بتشريعات أفضل، كما يفرض تشريعات جديدة تعزز سلطته وتوسع صلاحياته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها