النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

قبح الاستعارة وضعًا وموضعًا

الطابور الخامس يقود رحلة النكوص

رابط مختصر
العدد 10650 الاربعاء 6 يونيو 2018 الموافق 21 رمضان 1439

أرسل لي أحد القراء تعقيبا متشنجا هو أقرب إلى الاحتجاج، حول ما اسماه «الهوس المبالغ فيه بالهوية العربية»، جاء فيه بوجه خاص، وبعد تلطيف العبارة «العروبيون هم الذين قادونا الى الكوارث تلو الكوارث من خلال شعارات الوحدة العربية والأمة العربية، واخترعوا لنا أعداء وهميين، مع أن عدونا الحقيقي هو التخلف والجهل. وورطونا في حروب لا ضرورة لها، لو كنا أوجدنا حلا عقلانيا مع إسرائيل لارتحنا وأرحنا أنفسنا من هذه القضية المزعجة والخسرانة، لكان أفضل للجميع. ولذلك دعونا نكون واقعيين وننكب على تنمية أوطاننا، ونبتعد عن شعارات العروبة الزائفة».

هذا هو الملخص المفيد لتعقيب القارئ الغاضب بعد أن استبعدت منه العبارات الجارحة. واعتقد بأن مثل هذا الرأي ليس معزولا، وأرجح أنه بات سائدا لدى قطاع مهم من المجتمع، وعليه وجب التوقف عند هذه الأطروحة، من خلال النقاط الاتية:

أولا: لم يؤد النكوص عن الثوابت العربية، والعمل على التشكيك في الرابطة العربية -هوية ووجودا- إلى هذا الضعف العربي فحسب، وإنما شجع على تضخم الهويات الجزئية (المحلية، الطائفية، المناطقية، القبلية...)، وربما يكون هذا التشظي الحالي أشد خطر يتهدد المجتمعات العربية على صعيد الوحدة الوطنية الداخلية حتى، فالانجرار وراء الجزئي-المحلي-الطائفي، يضغط بشدة على كل ما هو وطني ويهدد بضياع مكتسبات وطنية.

ثانيا: التيار الطائفي - التجزيئي، أصبح جارفا ومندفعا بقوة، ومن الصعب السباحة ضده، وإن لم يتوقف سيجرف معه بشدة حتى الانتماء الأساسي لمجتمعاتنا وهو الانتماء للوطن، فما بالك بالانتماء للعروبة أو ما بقي منها.

لقد أدت التحولات التي عصفت بالوطن العربي إلى النكوص عن الثوابت العربية، ما فتح الباب واسعا أمام تنامي الهويات الصغرى بأشكالها كافة، إذ أصبح من الطبيعي الحديث صراحة عن هويات تفتيتية للوطن الواحد. وإذا كانت كل دولة عربية تجد من المبررات ما يكفي لتحريرها من أعباء الالتزامات القومية بعد الكوارث التي مست الحياة العربية في العقود الأخيرة، فإن المخيف أن يجاوز الأمر ذلك إلى استحضار الهويات الأصغر: المناطقية والطائفية والقبلية والعشائرية بديلا عن الأوطان وعن الهوية القومية.

ولا شك ان في التشبث بالهوية الوطنية جانبا إيجابيا في ظل هذه الهويات التفتيتية الجديدة، فقد رأينا وما نزال نرى كيف أدى تفكيك العراق عمليا إلى هويات صغرى، في ظل الاحتلال الأمريكي إلى نشوء ما يشبه الكانتونات السكانية، إقليم للكرد، وآخر للعرب السنة وثالث للعرب الشيعة، ورابع للتركمان واليزيديين وغيرهم، ما فتح الباب أمام مجازر وحروب وتنكيل، والى رفع الأسوار الفاصلة والكتل الإسمنتية التي تقسم الشوارع والطرقات والأحياء طائفيا وأثنيا. 

هذا النموذج الذي حمله معه الاحتلال الأمريكي للعراق، هو الذي يتم تسويقه حاليا في المنطقة والتحريض على الأخذ به بكل السبل، من خلال مداخل عديدة وملتبسة، منها مدخل حقوق الإنسان والحقوق المدنية والثقافية، وغيرها من السبل التي تشجع الهويات الصغرى على التضخم على ما يجمع الناس في وطن واحد، بما يؤثر سلبا على وحدة الأوطان.

ثالثا: إن المجتمع الواثق من نفسه مجتمع قوي بهويته الوطنية والقومية والروحية في الوقت ذاته، وهو مجتمع قوي بثقافته، وهو مجتمع يتشكل وفق ما يتيحه لكل أفراده من ظروف للخلق والإبداع والحلم والطموح والحرية، والتوق إلى الأفضل، وبما يوفره من إمكانات لتحقيق هذه الطموحات وبلوغ ما ينشدونه من أهداف، وهو بقدر ما يعمل على الوحدة والتوحيد والتماسك، ويشجع على الانفتاح على العالم الخارجي والإقبال على فرص الإثراء المتبادل دون عقد. ولا شك إن ثقة كل مواطن بنفسه، وثقة الشعب بقدراته وبمستقبله، والعمل على تعميقها وازدهارها يعد جانبا من الرسالة التربوية والسياسية والإعلامية والثقافية التي تتعهد الدولة والمجتمع برعايتها. لكن اختزال وجه الوحدة الوطنية في مجرد الانتماء اللفظي وشعارات المفرغة من المحتوى، دون أن ربطها بقيم المواطنة والحرية والمسؤولية، في دولة المؤسسات والمساواة أمام القانون، لا يمكن أن يؤدي إلى ترسيخ الوحدة الوطنية، مهما تحدثنا عن ذلك، لأن مجرد الحديث عنها لا يخلق واقعا ولا يجسم الأهداف والحقائق على الأرض. فوعي الناس بالمواطنة يرتبط بالضرورة بمفهوم وانتماء مواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة، ضمن هوية وطنية جامعة، لا تكون تعبيرا عن موقف سياسي ضيق، بما يجعل الهوية عامل توحيد وتقوية وتفعيل للحراك السياسي الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وأساسا راسخا لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة واستكمال بناء مؤسساتها المعبرة عن وحدتها.

رابعا: أما حكاية الصراع مع العدو الصهيوني، فإن القصة كلها تدور في فلك التطبيع معه، والتمهيد له من خلال طابور خامس يسعى إلى انهاء القضية الفلسطينية وطي صفحة الاحتلال للأراضي العربية والقبول في النهاية ما يسمى بالأمر الواقع. هذه الأفكار الخشبية لم تكن لتفاجأني بدرجة سخفها وسطحيتها، لكن الذي فاجأني حقيقية هو أن يكون منظرو التطبيع عندنا على هذه الدرجة من الضحالة في التفكير والتحليل والرؤية، وعلى هذه الدرجة من انعدام الإرادة وفقد الامل الذي يترجمونه يوميا بضرب جذور واسس الثوابت الجامعة للعرب.

ولعل هذه النقطة تحديدا هي محل سروي؛ لأنها تعطيني الامل في إمكانية بل وحتمية زوال إنجازات هذا الطابور من الذين ترهقهم الحقيقة، ويشكون في مواطن العزة فينا، وهم في موقع الشك والتفريط والشبهة والريبة. هذه النقطة بالذات، وبالرغم من قبح الاستعارة فيها وضعا وموضعا، تعطيني الامل في ان هنالك أجراسا للعزة ما تزال تطرق إلى اليوم، وسوف تظل إلى أن تحرر فلسطين.

هاهنا لا يوجد فكر يستحق أن يناقش، ولا حتى رأي يقارع. كل ما هنالك أن ورثة الدولة العربية المفلسة يعيدون إعلان إفلاسهم هذه المرة علنا، ومن دون أي خجل، وهم يبشرون بالعصر الإسرائيلي الجديد، هؤلاء هم الذين بدأوا انجازاتهم الكبرى بشطب أسماء المناضلين ورموز الكفاح العربي من كل المواقع والمواضع التي استولوا عليها، بالتزييف والتدليس، ويستخدمون معجم النظام الدولي الجديد بلكنة عربية. هؤلاء لا يحملون فكرا وهم غير قادرين على اقناعنا بأي أمر يقولونه؛ لأنهم في موقع الشبهة يجلسون، ولأنهم لا يخفون التصريح علانية بالقرابة الدموية بينهم وبين نظام الهيمنة والظلم الذي تسيطر عليه الصهيونية العالمية، ونظام التطبيع مع العدو المحتل الغاصب.

همس

لم يبق إلا هذه الغيمة 

تراودني على المدى.

توزع الوطن ضفتين، 

تسبقني إليه.

وكلما رجعت متعبا آخر الليل، 

يزورني الحنين: أيها الوطن، 

لا تغمض عينيك عني حتى اراك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها