النسخة الورقية
العدد 11119 الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    3:00PM
  • المغرب
    5:40PM
  • العشاء
    7:10PM

كتاب الايام

عندما كانت مصر متقدمة على اليابان

رابط مختصر
العدد 10646 السبت 2 يونيو 2018 الموافق 17 رمضان 1439

انشغلت الأجيال العربية السابقة بفكرة التغيير والتقدم قبل مائة وخمسين عاماً، هي عمر النهضة العربية التي تعثرت في منتصف الطريق، طرحت تلك الأجيال سؤالاً يقول: لماذا تقدم الغرب بعد أن كان متخلفاً عنا؟ ولماذا تأخرنا نحن العرب بعد أن كنّا متقدمين؟ التغيير العربي المنشود لم يحدث حتى الآن، والتقدم لم يتم، وظل هذا السؤال معلقاً حتى يومنا هذا. 

كانت النهضة العربية في بدايتها في منتصف القرن التاسع عشر تتصاعد وتنمو لكنها لم تصل الى التغيير المنشود الذي ينقل المجتمع من حالة التخلف والتردي الى حالة النضوج والاكتمال كما حدث في الغرب. 

في الغرب لم يحدث هذا التعثر والقطع، إذ بدأ التغيير بعصر النهضة في القرن الرابع عشر ثم إنتقل الغرب الى مرحلة أكثر نضجا، هو ما سمي بعصر التنوير الذي نقلهم بدوره الى العقلانية التي تجسدت بازدهار الفلسفة، وهي ضرب من التفكير المنطقي في أعلى مستوياته. 

في هذه المرحلة المتقدمة من التطور توجه الغرب الى حياة الإنسان الواقعية لدراسة الظروف الحسية التي تعرقل نموه وتقدمه، الإنسان في ظروفه الاجتماعية، فتكلم روسو عن العقد الاجتماعي بين البشر، ودافع فولتير عن الحقوق الإنسانية في القرن الثامن عشر. في هذا القرن انتشرت العلوم والأبحاث وتطورت فكانت الثورة الصناعية في الطريق إليهم. وكما نرى هم ساروا في خط متصاعد منذ القرن الرابع عشر حتى القرن الثامن عشر، حيث كانت الثورة الصناعية في انتظارهم. ولم يتوقفوا بعد ذلك فالثورة الصناعية نقلتهم مباشرة الى العصر الحديث الذي شهد تطورًا هائلاً لا زلنا نقف مذهولين أمام إنجازاته. 

لم يحدث في الغرب قطع وتعثر كما حدث عندنا إذ لم تكتمل النهضة العربية ولم تذهب في اتجاه تصاعدي، بل انتكست وتعثرت كما سنوضح. بدأت النهضة العربية بخروج العرب من القرون الوسطى المظلمة الى القرون الحديثة متأثرين بالتقدم في الغرب. 

وسنأخذ نموذجاً حيّاً للنهضة العربية في مصر التي بدأت النهوض في حكم محمد علي باشا الذي نشر التعليم وأحدث تطويراً في الزراعة والصناعة وأرسل البعثات للدراسة في أوروبا. وكان قد بعث مجموعة من الدارسين الى باريس بمعية الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي ليؤم الطلبة للصلاة، فأعجب الشيخ الطهطاوي بالحضارة الغربية الحديثة والنظام والقوانين والسلوك والدساتير فتعلم الترجمة وألف كتابه الأكثر شهرة «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» يصف فيه ماشاهده في الغرب من تقدم. انها صدمة الحضارة ودهشتها. 

استمرت النهضة تتصاعد في مصر، وفِي العام 1862 كانت اليابان تريد الخروج من جمودها الذي إستمر أكثر من قرنين، فقررت أن ترسل بعثة الى الدول التي نهضت وقطعت أشواطا في الحضارة. واختار اليابانيون أن تكون مصر هي البلد الأول الذي يزورونه لما سمعوا عنها من تقدم وتحضر، بقصد الاستفادة من خبرة العرب المصريين في النهضة. 

في مصر أعجب اليابانيون بالقطار الذي يربط القاهرة بالإسكندرية وسكة الحديد فهم لا يعرفون القطار ولا السكك الحديدية في ذلك الوقت، كما أعجب اليابانيون بالتلغراف الذي لم يكن موجوداً في اليابان، كما أعجبتهم نظافة الحمامات العامة في القاهرة فقالوا إنها أنظف من حماماتهم في اليابان، ولكن قالوا إن ثمن الدخول الى الحمامات في مصر أغلى منهم، وأرجعوا ذلك الى ارتفاع مستوى المعيشة في مصر. استمرت النهضة في مصر وقطعت شوطاً في التحديث والتصنيع والدولة الحديثة والقوانين العامة وأنظمة القضاء.

 وكانت الأوطان العربية الأخرى الكبيرة قد شهدت نهضة مماثلة في التعليم الحديث وافتتاح الجامعات والمدارس لأول مرة، وكانت الصحف تصدر وتنتشر ونشط التأليف وتطور، وبدأت عجلة التقدم والتحديث تدور وتتقدم حتى الستينات من القرن الماضي حين توقفت ثم تقهقرت لأسباب تعود الى سوء التخطيط، والتشبث بالأفكار الموروثة والفساد الإداري والمالي. واستمر الانحدار والجمود بعد ذلك. 

وها نحن ذَا في عصر نتردد في تسميته بعصر النهضة، إذ دخلنا في الثمانينات في الفكر الأصولي المهيمن على قطاعات واسعة في المجتمع، ولكي نصل الى عصر الحداثة لا بد لنا من النهوض أولاً من الكبوات الكثيرة. 

الشوط يبدو بعيداً وطويلاً، لكنني لن أقطع حبل التفاؤل رغم ذلك فهناك مستجدات حدثت في العقود السابقة «الانفجار المعرفي وثورة الاتصالات والتكنولوجيا الحديثة» هذه المستجدات تتيح لنا اختصار الوقت إذا أحسنا التخطيط والعمل. مع الأخذ بعين الاعتبار أن التغيير في المجتمعات قبل أن يتحول الى حركة واسعة لابد أن يتكرس في العقول وهذه هي البداية، إذ لا بد من تطوير في الثقافة والعلوم والبحوث ونقل المجتمع من إرث الماضي الى فضاء الحاضر الطليق، ولا بد من القضاء على الفساد قضاءً مبرماً. 

التحديات كثيرة، لكن النهوض ممكن. وأمامنا نحن العرب الآن فرصة تاريخية من ذهب بحكم الانفجار المعرفي وثورة الاتصالات التي تتيح لنا قدرة التحديث السريع للمجتمعات، وأمامنا شواهد كثيرة في النموذج الياباني والكوري والنموذج السنغافوري وغيرهم، كما أن اتصالنا السريع الواسع بالعالم المتقدم يتيح لنا فرصة التقدم. وهذه الفرصة لم تكن متاحة في العقود والقرون الماضية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها