النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10968 السبت 20 أبريل 2019 الموافق 15 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:04PM
  • العشاء
    7:34PM

كتاب الايام

الدبلوماسية السعودية.. وفرض واقع استراتيجي بالمنطقة والعالم

رابط مختصر
العدد 10646 السبت 2 يونيو 2018 الموافق 17 رمضان 1439

من يتطرق لتطورات السياسة الخارجية السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان وقائد هذه الدبلوماسية الجديدة وزير الخارجية في هذا العهد عادل الجبير، يرصد جملة من التغيرات الجوهرية على هذه السياسة، خاصة في ظل القراءة المستقبلية للسعودية. ونحن في منتصف عام 2018 نستطيع أن نلقي الضوء على مضامين الدبلوماسية السعودية اعتمادا على الملفات والقضايا الدولية التي تصدت لها الرياض وأنهتها بنجاح لا نظير له، فالسعودية لم تعد تنتظر أداء دورها في ظل سياسات إقليمية ودولية، ولكنها استطاعت في العهد الجديد أن تبادر الى فرض دورها على كل اللاعبين الإقليميين والدوليين، حتى وإن اتسعت دائرة مشاغل الخارجية السعودية، بدءا من مشكلات الإقليم وتشمل اليمن وسوريا والعراق ولبنان، والكل يشهد بدور الدبلوماسية السعودية في هذه الملفات، مرورا بالملف الأهم الذي يتعلق بشر الشرور في المنطقة ونقصد بها إيران، حيث كان للرياض دور اللاعب الرئيسي في تقليم أظافر دولة الملالي وولاية الفقيه، وربما دليلنا على قولنا إن المواطن السعودي أصبح يفتخر بدور بلاده في المنطقة والعالم، بعكس المواطن الإيراني الذي يئن ويشعر بوجع وألم من فضائح نظام دولته في سوريا والعراق واليمن ولبنان، ناهيك عن الدور السعودي المؤثر في قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني الذي سبق وعارضته الرياض وكل دول مجلس التعاون الخليجي تقريبا عند توقيعه في عهد الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما.

ويبدو في المستقبل القريب أن اهتمامات الدبلوماسية السعودية الجديدة وملفاتها المحورية ستبقي كما هي في ظل استمرار مشكلات المنطقة تحديدا، وإن كانت التدخلات السعودية في الملف اليمني تحديدا قد حد كثيرا من الدور الإيراني في دعم جماعة المتمردين الحوثيين ليساعد النظام الشرعي في السيطرة على معظم الأراضي اليمنية وتحول دفة القوة من الحوثيين الى الرئيس عبد ربه منصور هادي. وهذا يرجع في مجمله الى نجاحات السياسة الخارجية السعودية التي يقودها الوزير عادل الجبير باقتدار، وهي تمثل ما يمكن تسميته بـ«نقطة ارتكاز رئيسية» لتحركاتها في محيطها الإقليمي والدولي، ولكن لا ننسى أن هذه السياسة تظل أيضا جزءا من خريطة أوسع إذ تعمل في إطار «رؤية السعودية 2030» التي تضمنت سياسة خارجية جديدة مغايرة تماما لما كانت عليه في الماضي القريب. فالدبلوماسية السعودية الجديدة تنطلق في إطار «خريطة الحضارات» التي أعلنتها المملكة لتستفيد من مرتكزات القوة الكامنة فيها، وتتمثل في الحضارتين العربية والإسلامية بالإضافة الى إشراف المملكة على أهم ثلاثة ممرات مائية في العالم. كما أن هذه الدبلوماسية الجديدة تنطلق بالمملكة من هوية ضيقة حاول البعض إلصاقها بها الى كونها قوى إقليمية ودولية تشارك في القرار العالمي بإمكانياتها السياسية والاقتصادية لتتمكن في النهاية من تحقيق كافة النجاحات أثناء القيام بدورها الاستراتيجي.

وقد أركز هنا على مجال مهم للغاية برزت فيه السعودية في الفترة الماضية، وهو مجال مكافحة الإرهاب، حيث سطرت الدبلوماسية السعودية نجاحات جمة، مما جعل دورها رائدا في مكافحة هذا الإرهاب. وللتذكير فقط، تجلت هذه النجاحات في إنشاء مركز مكافحة التطرف وتجفيف منابعه، ودعم المملكة للأمن الإقليمي والدولي، حيث جاء تشكيل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب بقيادة المملكة، وكذلك تأسيس مركز عمليات مشتركة بالرياض لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب ولتطوير البرامج والآليات اللازمة لدعم تلك الجهود، واستمرار المشاركة الفاعلة في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»الإرهابي، وتعزيز قدرة وكفاءة الأجهزة الأمنية حتى تقوم بدورها عبر عمليات استباقية وملاحقة وتفكيك شبكات وخلايا إرهابية. ويقودنا هذا الى أن الدور السعودي في مواجهة الإرهاب مستمر خلال الفترة المقبلة، وسيشهد مزيدا من التحركات إقليميا ودوليا في مواجهة كافة قوي الشر التي تدعم الإرهاب في المنطقة والعالم.

ندرك أن المجال لا يسعنا لرصد كافة التحولات التي طرأت على السياسة الخارجية السعودية منذ تولي الوزير عادل الجبير إدارة ملفاتها المتزايدة، ولكننا نرصد بسرعة كيف اتبعت المملكة نهجا أكثر حزما لمواجهة المؤامرات الإيرانية في المنطقة، وشملت اليمن وسوريا والعراق ولبنان، ورأينا كيف تبنت المملكة سياسة خارجية معاكسة تماما لما ارتأته واشنطن في عهد الديمقراطي باراك أوباما. وكان للرياض دور ريادي في تنبيه واشنطن بكوارث الاتفاق النووي الإيراني، كما رفضت السعودية المشاركة في تصور باراك أوباما بتأسيس ما أسماه البيت الأبيض بـ «توازن جيوسياسي جديد» في منطقة الخليج يجمع بين دول الخليج السنية وبين إيران، على أن يجمعهما التعاون المشترك وليس العداء والمنافسة والشكوك مع إنهاء الحروب بين الطرفين سواء فعلية أو الحروب بالوكالة، وهنا نود التأكيد على ما أبدته الرياض من مخاوف حقيقية من سياسة إعادة المواءمة التي أراد باراك أوباما فرضها في منطقة الخليج، ثم تبع ذلك الرفض وإبداء المخاوف السعودية، تباعدا بين الرياض وواشنطن التي احتضنت طهران وكرستها كقوى مفروضة على العراق وسوريا والمنطقة. ومن هنا رسمت الدبلوماسية السعودية سياسة جديدة أقرب للتحدي والمواجهة مع الدولة الإيرانية، وهي سياسة مخالفة تماما لما رسمته واشنطن من صورة أقرب الى الوفاق مع طهران، وقد أسفرت تلك السياسة السعودية عن المواجهة الحقيقية للتمرد الحوثي في اليمن وما تبعه من مواجهات أخرى في المنطقة شملت سوريا والعراق ولبنان- لا تسمح المساحة لذكرها - حيث لم تترك السعودية المجال لتلعب به إيران وترسم مستقبل تلك البلدان بمفردها، فكان تدخل القوى السعودية الذي أجهضت الأطماع والطموحات الإيرانية التي تصورت طهران أنها باتت أقرب لتحقيقها قبل تولي خادم الحرمين الشريفين حكمه. لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل نجحت السعودية في إقناع النظام الأمريكي الجديد – دونالد ترامب - بمشكلات الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعه باراك أوباما فكان قرار ترامب الانسحاب منه وقراره بإعادة فرض عقوبات اقتصادية على إيران وحثه الدائم للشركاء الأوروبيين بمغادرة الاتفاق وتهديده بالحظر الاقتصادي لكل من يتعامل اقتصاديا وماليا مع طهران.

 ولنترك المنطقة قليلا، لنشير الى ما شهدته الدبلوماسية السعودية من نشاط كبير لتنويع العلاقات الدولية وعدم الاكتفاء بسياسة الحليف الأوحد، فكان التوجه شرقا حيث دشنت المملكة مرحلة جديدة من العلاقات مع روسيا والصين واليابان ودول آسيا. وبتوضيح أكثر، يستطيع أي مراقب لتطورات الدبلوماسية السعودية أن يرصد بسهولة التوجه السلس الى تنوع العلاقات مع القوى الكبري وعدم الاكتفاء بحليف استراتيجي أوحد، فرأينا انفتاحا دوليا تمثل في تحقيق توازن في العلاقات الدولية السعودية، فتطورات تلك العلاقات مع روسيا من انعدام روابط سياسية واقتصادية أو رؤى مشتركة أو أهداف محددة الى علاقات إستراتيجية تدعمها حجم الصفقات والشراكات الاقتصادية المتبادلة. فالعلاقات الدولية يدعمها الاقتصاد في الوقت الراهن، ومثلما تطور الحال مع موسكو، شهدت العلاقات السعودية – الصينية، تناميا كبيرا منذ عام 2016 بتوقيع بيان مشترك لإقامة علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين. كما شمل التحرك الدبلوماسي السعودي بالإضافة الى تنمية العلاقات مع القوى الكبرى، ترسيخا لمكانة المملكة ودورها عبر تكثيف جهودها في حل النزاعات، وقد اتسق هذا الدور مع ميثاق الأمم المتحدة، لتوظف المملكة من خلاله دبلوماسيتها الإستباقية لمنع تفاقم هذه الأزمات وتحولها إلى صراعات عسكرية ينتج عنها كوارث. ولهذا شاركت المملكة مهام المنظمات الدولية والدول المؤمنة بالعمل الجماعي في تحقيق السلم والأمن الدوليين.

 ويتزامن هذا التطور النوعي في الدبلوماسية السعودية، مع إحياء التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وهو التحالف التاريخي الذي تدهور بسبب سياسات أوباما التوافقية مع إيران، ولتكون المملكة بذلك مركز القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، لتملأ الفراغ الذي أحدثه الرئيس الأمريكي السابق بالمنطقة وترك المجال لإيران لتنشر الفوضى والعنف والفتنة للنيل من السعودية، ولكن بدلا من ذلك نجحت الرياض في احتواء الشرور الإيرانية.

إجمالا، تقوم السياسة الخارجية السعودية التاريخية على أسس ومبادئ وثوابت محددة وهي: حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتعزيز العلاقات الخليجية العربية والإسلامية بما يخدم المصالح المشتركة، وانتهاج سياسة عدم الانحياز، وتأدية دور فاعل في إطار المنظمات الإقليمية والدولية. ولكن مع تعدد ملفات السياسة الخارجية السعودية وتنوع القضايا وتشعبها وتداخلها، يتأكد للجميع أن الدبلوماسية السعودية الجديدة تتحمل مسؤولية في تحركاتها الإقليمية والعربية والإسلامية والدولية، وقد فرضت حالة الفراغ الإقليمي التي المنطقة خلال السنوات الماضية على السعودية الانغماس في كثير من أزمات المنطقة ومشكلاتها، وهو ما أثقل الدبلوماسية السعودية بأعباء كثيرة تتطلب التعامل معها بحرفية وكفاءة. وهو ما تم بالفعل حيث كانت المواجهات سريعة لكل التحولات الخطيرة، وتم إعادة تحديد الرؤية بناء على ما حدث من تغيرات.

ربما اعتقد بعض المراقبين إبان تولي الملك سلمان بن عبد العزيز حكمه، أن المملكة لن تتغير وستواصل نفس سياساتها الخارجية المعهودة، ولكن سرعان ما تبدلت وجهة نظر هؤلاء ليكتشفوا بعد مرور وقت قليل التطور المذهل في تنوع الدبلوماسية السعودية لتساير حركة التاريخ وتشهد نقلة نوعية في اتجاه المستقبل، حتى قيل أن التوجه السعودي الجديد قد ألقى بتبعاته على الشعب الإيراني الذي بات ينتظر قيادة حكيمة تنظر في خدمة شعبها فقط وليس التدخل في شؤون الآخرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها