النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

في توظيف «إيديولوجيا المؤامرة»...

رابط مختصر
العدد 10643 الأربعاء 30 مايو 2018 الموافق 14 رمضان 1439

 الإيغال في الحديث عن «المؤامرة» بوصفها لعنة أبدية تلاحق العرب، وبث الرعب في مجتمعاتهم وإيهام الأفراد فيها بأنهم مستهدفون في بلدانهم وثرواتهم وثقافتهم من قبل الأمم الأخرى، يصنع منهم مجتمعات خائفة، متوجسة وضعيفة لا تُقدِر إمكاناتها حق تقدير. ويقود ذلك، بالضرورة إلى الوقوع في تبعية قوى أكبر تلتقي معها في هذا التصور ليس من موقع المفعول به بل من موقع الفاعل؛ إذ هي تستغل هذا التصور وتضخمه لتجعل الأمة الخائفة أسيرة خوفها وطمعها في أن تعثر على من يحميها غوائل المؤامرات.

 إن الحديث عن المؤامرة يتضخم عندما تتقمص إحدى هذه القوى دور القائد لمحاربة «المتآمرين» المفترضين، ويتحول «القائد» هنا إلى مستضعِف فعليّ يصير المجتمع المسكون بما زُرع فيه من هواجس الاستهداف والمؤامرة مستضعفًا. ومن خلال هذا الضعف المصطنع يمرر المسضعِف ثقافته وأفكاره وسياساته؛ ليجعل المجتمع المستضعَف عجينة طرية طيعة يشكلها بما يتفق مع استراتيجياته، وليصطنع لنفسه معمارًا لقوة متخيلة رهيبة لا تُقهر يرتهن لها المجتمع المستضعَفُ لتحقيق أطماع المستضعِف. هذا، في تقديري، حال بعض العرب، ممن يروجون لثقافة المؤامرة، في علاقتهم مع إيران وهي القوة التي قدمت نفسها لتكون القائد المخلص في هذا المضمار بأمل تعزيز ثقافتها ونشر عقيدتها السياسية.

 أتاحت الأقدار، في زمن الضعف العربي والانتكاسة الحضارية التي بلغت مستويات مخيفة، لملالي إيران أن يلعبوا هذا الدور في البلدان العربية، ويخادعوا به بعض مجتمعاتها، خصوصًا وأن الأرض خصبة لتمرير مثل هذه السياسة باعتبار أن تيارات سياسية عربية إسلامية وطيفًا واسعًا من القوى اليسارية العربية تؤمن بما يسمى بالمؤامرة على العرب والمسلمين بدوافع شتى. وفي هذا السياق، نؤكد للقارئ الكريم بأن المؤامرة ليست هي الموضوع الذي نسلط عليه الضوء ونناقشه هنا؛ إذ يستوجب منا الحديث عن المؤامرة العودة إلى هذا الموضوع بكتابة مقال نخصصه لهذا الغرض باعتباره موضوعًا جدليًا نتفق أحيانًا في بعض جزئيات ما يطرحه أصحابه ونختلف أحيانًا أخرى مع بعضها الآخر اعتمادًا على السياق الذي يُطرح فيه. وبما أن سياق الحديث هنا هو المؤامرة بمفهوم طغمة الملالي الحاكمة في إيران، وهو المفهوم الذي تتفق معه بعض التنظيمات العربية، فإن المنطق السليم يقتضي منا الانتباه إلى أن المؤامرة هنا قد انقلبت إلى إيديولوجيا قائمة بذاتها تصدرها إيران تصديرها لثورتها المزعومة؛ لأنها ببساطة العقلية الواجب زرعها والثقافة التي يُعمل على إشاعتها لتحويل الشعوب الخائفة من المؤامرات الموقنة بأن الجميع يترصدونها ويطمعون فيها إلى شعوب ضعيفة مستضعفة تعيش على أمل ظهور الفارس المخلص، ولعل المؤكد في هذا أن إيران وذراعها اللبناني وتركيا وزعيمها الإخواني يعملان بالكيفية نفسها ليتنازعا دور الفارس المرجو تجليه من سديم الهزيمة والظلام، وهذا عندي سيد الحجج لكي أُنكر تمامًا وجود هذه المؤامرة بمفهوميها الإيراني والأردوغاني المتوافقين مع بعض التيارات السياسية التي ذكرناها آنفًا.

 سوف ننطلق في مقالنا هذا من سؤالين محوريين، أولهما: كيف استطاعت إيران أن تندس من خلال ثقافة المؤامرة التي هي شبه معتقد لدى الكثير من التيارات السائدة في بعض البلدان العربية، إن لم يكن كلها؟ وأمّا ثانيهما فهو: هل على مجتمعاتنا كافة أن تنصاع إلى ما تخطط له هذه الدولة التي لا تخفي عداءها الصريح للبلدان العربية؟

 عطفًا على تساؤلي الأول يمكنني القول في عجالة إن إيران تلعب في المجتمعات العربية لعبة قذرة عمرها أربعة عقود، لعبة تصوغ في ضوئها خطة بعيدة المدى تراعي فيها مصالحها وتنشر من خلالها ثقافتها. وإذا أخذنا مثالًا توضيحيًا واحدًا ندلل به على ما نقول، وهو مثال أرى بأنه ينطبق على كثير من المجتمعات العربية وخصوصًا الخليجية منها، فإن العراق سيكون أصدق مثال في هذا الإطار. ففي هذا البلد العربي المتنوع عرقيًا وإثنيًا، وهو من الدول التي تتفاخر إيران بأنها أصبحت عاصمة من عواصم «إمبراطوريتها» الثيوقراطية، نتبين أن الحديث عن المؤامرة موجه بشكل مكثف في اتجاهات ثلاثة: للشيعة أولًا؛ بغية إقناعهم بأنهم مستهدفون طائفيًا من المحيط الاجتماعي السني، وهذا ما استجابت له بعض الجماعات المتطرفة التي أسهمت إيران في دعمها وتدريبها وتسليحها لتبقى ميليشيات رهن إشارة الحرس الثوري الإيراني تخوض حروبًا ضد المكونات العراقية الأخرى نيابة عنها. وللسنة ثانيا، زاعمة بأنهم مستهدفون من قوى العالم الخارجي؛ لاستمالتهم أولا وشراء سكوتهم عن كل ما يرتكب من جرائم في حق العراق. وللعرب ثالثا بتوجيه خطاب للعرب عامة تُستغل فيه القضية الفلسطينية لتحريك المشاعر القومية، ولهذا نرى «القدس» وبكل ما تحمل هذه الكلمة من شحنات عاطفية وتاريخية ودينية موظفة من أهل القرار في طهران في كل اتجاه وبأكثر من لون ووجه.

 لهذا فإن على المجتمعات العربية بكل مكوناتها أن تتوخى الحذر مما تضمره هذه الدولة الشريرة في المنطقة العربية بعامة، وفي المناطق التي صنعت لها نفوذًا وسطوة مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن. إن محاربة العقيدة الإيرانية لا يتأتي إلا بالتفات الحكومات العربية إلى الواقع الاجتماعي والاستعداد للاستماع إلى ما يهمس به من حاجات من أجل تقوية اللحمة الوطنية، والعمل على نشر ثقافة المواطنة، وتكريس العدالة الاجتماعية لسد مسارب الاندساس والتسلل الإيراني. يروق لإيران دائمًا وأبدًا أن تلعب في البيئات المفعمة بحالات التذمر، وتعمل على تأجيجها خدمة لأجندتها الطائفية، فلنعمل معا من أجل صد أحلام العظمة الإيرانية الموهومة. وإننا سننجح حتمًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها