النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10972 الأربعاء 24 أبريل 2019 الموافق 19 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

المثقفون صناع التغيير 2/‏2

رابط مختصر
العدد 10639 السبت 26 مايو 2018 الموافق 10 رمضان 1439

في البدايات الأولى للقرن العشرين، تماما في العشرينات منه، يتململ المجتمع البحريني بهدوء وثبات للتطوير والتغيير، فيؤسس الشباب الطموحون أول نادٍ أدبي في المحرق في العام 1920، ويكون الأديب الشاعر عبدالله الزايد أول أمين عام لهذا النادي. ولا يكتفي الشاب الأكثر طموحا وشغفا بفكرة التغيير والتطوير عبدالله الزايد بالنشاط الأدبي، فيتطلع الى إصدار صحيفة لتحديث المجتمع وتطويره، لكن هذا الخيار النوعي يحتاج الى مطبعة وورق ولوازم كثيرة غير متوافرة في البحرين في ذلك الوقت، والمطبعة تحتاج الى أموال غير قليلة. في أواسط الثلاثينات تتوافر الفرصة ويجلب عبدالله الزايد مطبعة من ألمانيا بثمن باهظ ويوفر الورق، كل هذا من جيبه الخاص، فقد كان يتاجر في اللؤلؤ آنذاك. وفي العام 1939 تدور أول مطبعة في البحرين معلنة ميلاد صحيفة (البحرين)، وبداية عصر جديد للكتابة الصحفية والأدبية. اهتمت صحيفة البحرين بالشأن البحريني والخليج العربي والدول العربية، واستمرت إبان الحرب العالمية الثانية في ظروف قاسية وغير مهيئة. كان ذلك سبقا وحدثا جديدا في الخليج العربي. وكان لعبدالله الزايد حراك وطني أيضا قاده الى اعتناق الأفكار الإصلاحية. بالتوازي مع نشاط عبدالله الزايد، في الثلاثينات من القرن الماضي ينشط المثقفون والأدباء في بلادنا في الأندية الوطنية التي تأسست حديثا وكان اهتمامها منصبا علي الثقافة والمسرح والتطوير العام في البلاد، كما افتتح بعض الأدباء آنذاك، ومنهم الشاعر عبدالرحمن المعاودة، مدارس لتعليم القراءة والكتابة.

في الخمسينات من القرن نفسه يتجدد هاجس التطوير والتقدم، فما أن تسقط راية التطوير من أيدي الشيوخ حتى تلتقطها أيدي الأجيال الجديدة من الشباب. يذهب رعيل ويأتي آخر ليواصل درب التغيير والتحديث. في هذه الفترة عاشت البلاد في (زخم) وطني وثقافي وتعليمي، وكان التعليم قد قطع بعض الشوط، والثقافة بدأت تنتعش، والروح الوطنية تتنامى، يغذيها شبح الاحتلال البريطاني واستبداد الحاكم البريطاني بلجريف المتفرد بالسلطة. في هذه المرحلة تتعدد الصحف ويكثر المثقفون وتنتعش الحركة الوطنية الوليدة التي كانت تراقب الحراك الوطني في العراق ومصر والدول العربية الأخرى، وكانت بعض الصحف العربية تصل عبر قنوات الأيدي ويتم تداولها بين المثقفين، ثم كان الناس على موعد مع ثورة يوليو 1952 وعبدالناصر الذي قلب الأوضاع في كل الأقطار العربية، من المحيط الي الخليج. بدأت الحركة الوطنية تنشط في الخمسينات وكان المثقفون ينخرطون فيها، وأذكر هنا أسماء مثل علي سيار ومحمود المردي ومحمد الشيراوي وحسن الجشي، ورهط كثير آخر. وكان الشاعر عبدالرحمن المعاودة اللسان الشعري للانتفاضة الوطنية 1954-1956، وكان يلقي القصائد الوطنية في التجمعات الحاشدة منددا بالاحتلال ومحرضا على التغيير. علي سيار كانت له عدة جولات في أكثر من صحيفة، إذ كان الاحتلال يغلق الصحف في وقت قياسي ثم يوافق علي إصدار صحيفة أخرى. ظل السجال والنضال بين الاحتلال والمثقفين والوطنيين. وفي نهاية أكتوبر 1956 انتهت الانتفاضة التي استمرت سنتين، لكن الجولات الوطنية لم تنتهِ، كانت تخبوا وتعود، فالبحرينيون لم ييأسوا من دحر نير الاحتلال، وكان القائد العربي جمال عبدالناصر يبعث في الناس روحا جديدة عبر محطة صوت العرب التي تبث أخبار الكفاح العربي من أجل الاستقلال في الخليج.

لم تخبُ جذوة الحرية والاستقلال في البحرين بعد ضرب الهيئة التي قادت الانتفاضة، فما أن شارفت سنوات الخمسينات على النهاية حتى بدأت الأحزاب الوطنية اليسارية الجديدة تنظم نفسها لجولة أخرى مقاومة للاحتلال البريطاني مع العمل السري؛ تفاديا لضربها كما حصل مع الهيئة في الخمسينات. انخرط المثقفون في هذه الأحزاب وكانت لهم حصة في قياداتها، وربما تكون هي الحصة الأكبر. الأدباء كانت لهم إسهامات في الحراك الوطني أيضا وفي ترويج أفكار الاستنارة. كان ذلك الحراك السياسي والثقافي الواسع يلائم شعبا اعتاد التقدم والتغيير منذ العصر الدلموني.

بمتابعة سريعة لتاريخ هذه البلاد سنرى البحرين في قلب الحضارات التى نشأت في العالم القديم والحديث. يقول الشاعر اليمني القدير المعاصر عبدالعزيز المقالح إن الحداثة تدخل الى الخليج من بوابة البحرين. الأحزاب الوطنية التي تشكلت في بداية الستينات كانت امتدادا للأحزاب العربية المعروفة في الأقطار العربية، وتشبع المجتمع بأفكار القومية العربية سعيا وراء أهداف النهضة والحريّة والعدالة. الحداثة الأدبية والثقافية كانت واسعة في الستينات، وكان المجتمع يتطور اجتماعيا وسياسيا وثقافيا بإيقاع متسارع.

المثقفون انتظموا في كل هذا الحراك الواسع. وكانت التوعية الثقافية متلازمة مع النهوض الوطني. في العام 1965 كان البحرينيون على موعد مع انتفاضتهم الثانية، فقادت خلايا هذه الأحزاب الوطنية الجديدة هذه الانتفاضة. كان المثقفون داخل هذه الشبكة المتنوعة فاعلون بامتياز من أجل التغيير. وكان لأسرة الأدباء والكتاب دور محوري متميز في الحراك الثقافي والوطني، فمنذ تأسيسها في العام 1969 كانت هي الجمعية الوحيدة الفاعلة في ظروف سياسية وثقافية شائكة.

ومنذ البداية رفعت الأسرة شعارها الشهير في الأمسيات والندوات: «الكلمة من أجل الإنسان»، وكان ذلك انحيازا أخلاقيا ومبدئيا مع المجتمع. وفي العقد السابع والثامن والتاسع قادت أسرة الأدباء والكتاب مشروع التغيير والإصلاح عبر الندوات والمؤلفات، ومن خلال الدواوين الشعرية والقصص والروايات التي كانت تتطرق إلى الهموم العامة والأماني والتطلعات من أجل التقدم والرفعة، في مناخ سياسي ووطني ساخن حمل الأسرة وأدباءها مشاقا كثيرة. في الوقت نفسه كان أعضاء الأسرة إما منتمين الى صفوف الحركة الوطنية أو متعاطفين معها بشدة، هكذا كان المثقفون ينشدون التغيير عبر الحراك الوطني والنشاط الثقافي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها