النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11207 الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 16 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:52AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

أمي! النهر الذي يتدفق حباً... كم أحن إلى إفطارك!..

رابط مختصر
العدد 10639 السبت 26 مايو 2018 الموافق 10 رمضان 1439

أحمد المولى عز وجل أنه لم يفتني فطور أول يوم رمضان مع أمي طوال حياتي، وفي هذا نعمة كبيرة ربما لا يعرفها سوى الذين اضطروا بسبب أعمالهم ومشاغلهم الابتعاد عن خبز أمهاتهم سواء أول يوم رمضان من كل عام أو كل أيامه المباركة. نحن هنا أهل هذه البلاد المباركة لم تجبرنا ظروفنا على مغادرة بلادنا بحثاً عن لقمة العيش خارجها، فجميعنا تقريباً لم تضطرنا ظروفنا لأن نكون خارج البحرين خلال أشهر رمضان.

ولكن الأمر لم يسلم هذا العام بالنسبة لي علي الأقل، بسبب مشاغلي وعملي بمصر، ولذا، فالقاهرة هي وجهتي في وقتنا الراهن ومتطلبات الوظيفة قد تجبرني على البقاء في مصر.. بيد أن أمي نادتني، وجاءني صوتها الرقيق عبر آلاف الأميال ليناديني كي انضم لسفرتها العامرة كالعادة أول افطار في رمضان.. نعم فطور أمي، كم هو من أسعد أوقاتي وأحلاها وأكثرها فرحة خاصة في اليوم الأول من رمضان. ففي هذا اليوم وعبر سنوات عمري تعودنا أن نلتقي على سفرة واحدة نحيط بجدتي وجدي لأمي وخالاتي، الى أن أخذ الزمن منهم من أخذ رحمهم الله وأطال لنا في عمر أمي الغالية. أمي الغالية التي لم تتغير عاداتنا إكراماً لها، حتى بعد أن تزوجت وصارت لي أسرتي نحرص على أن نكون حولها أنا وأسرتي ولا نفرط في هذه العادة الحميدة طوال حياتنا والتي أتمنى أن تظل كما هي عادة جميلة ما حييت.

أما إفطار هذا العام فله حكاية، ففي ليلة إعلان رؤية هلال شهر رمضان المبارك، تحدثت مع أمي كعادتي مباركاً ومهنئاً لها بدخول الشهر الكريم، ولكن الحديث هذا العام لم يكن مثل كل عام عندما أهنئ أمي بقدوم الشهر الفضيل، فأحسست بآلمها وتهدج صوتها وهي تقول «ما أصعب دخول هذا الشهر الكريم وأنت لست معنا». لم يكن آلمها وحده الذي أحسست به، فانتفضت من داخلي وسرت بي قشعريرة هزتني من أعماقي، فأمي تناديني، فهي من رقتها كتمت صوتها المختنق في حلقها حتى لا تجعلني أشعر بوحدتها ورغبتها في أن نكون معاً في أول فطور رمضان كعادتنا. إحساسي العميق بنبضات قلبها وصوتها الحاني دفعني لأن اتخذ قرار مهماً جداً وهو أن أكون مع أمي في أول فطور رمضان، وكم كانت سعادتي وفرحتي عندما فاجأتها بدخولي المنزل. مبعث سعادتي وفرحتي ما رأيته من فرح في وجهها الطيب الصبوح حتي أغرورقت عيناها بدموع الشوق لابنها وفرحتها برؤيته من غير معاد، وكم كانت سعيدة لأن ابنها البار لم يخذلها ويبتعد عنها في فطور رمضان، بل لبي رغبتها وأسرع الخطى ليلتقيها. لا استطيع وصف ما اعتراني من إحساس بلقاء أمي وفرحتها لا تضاهيها فرحة، ونظرات الرضى في عيناها الغاليتين. فالجنة حقاً تحت أقدام الأمهات، وهذا قول حق، حفظ الله لي أمي وأمدها بالصحة والعافية وطول العمر وجعل يومي قبل يومها، وهذه أمنيتي في الحياة.

ما دفعني لكتابة ذكرياتي عن أول افطار رمضان ما كتبه الأخ العزيز صديق العمر الأستاذ خليل إبراهيم الذوادي في مقاله يوم الأربعاء الماضي، أول فطور رمضان مع أمي. فقد آثار شجوني عندما علق على سرعة اتخاذ قراري بالذهاب للبحرين في الأول من رمضان كي ألتقي أمي وأكون بجوارها في سفرة الأول من رمضان، والأخ خليل لا يفوت شاردة أو واردة دون أن يدونها بتعليقاته وتوثيقه لأحداثها.

إنها أمي، أعز إنسانة لي في الوجود، الغالية على قلبي ووجداني، فنحن مهما امتلكنا في هذه الحياة، لن نملك أغلى من الأم، وعندما أتمنى من المولى عز وجل أن يجعل يومي قبل يومها فهذا من قبيل يقيني أنني لا استطيع العيش بدونها، فهي قلب حياتي ونبض دمي وروحي التي أحيا بها، ويكفي أن أسمع صوتها لكي تزول كل همومي مهما كانت مثل زبد البحر، فكلمة حانية منها ونصيحة حكيمة كفيلة أن تعيدني الى جادة الصواب. أعلم أن من أصعب المواقف على أي أم هو أن تفقد ابنها مهما صغر أو كبر، فهو وليدها وفلذة كبدها، ولكني أيضا لا أتخيل حياة بدون أمي، حياة بلا حضن يضمني، بلا صدر حانٍ أرمي عليه كل همومي وأحمالي مهما ثقلت، فلحظة في حضن أمي تمثل حياة لي، بل بداية حياة جديدة.

 فمهما امتلكنا في دنيانا، لن يكون أعظم من أمنا، وكم يغمرني الشوق الى زمن طفولتي وقت أن كنت أفتح عيني كل صباح على ضحكتها المليئة بمشاعر الحب وصوتها الهادئ المفعم بالطمأنينة لأبدأ يوماً جديداً. فأمي هي أغلى ما في حياتي، أحسست فيها بعمق العطاء وهي عنوان العطاء بلا مقابل.

وإذا كنا كثيراً ما نقرأ أو نسمع خبراً عن نشاط «السيدة الأولى» في أي بلد أو مجتمع، تكون أمي أول ما يتبادر الى ذهني وقلبي عندما أسمع هذا التعبير أو أقرأه، فأمي هي سيدتي الأولى، هي من أنجبتني وكانت سبباً في حياتي، فهي روحي وكينونتي، ضابطة شخصيتي، معلمي في هذه الدنيا، من علمتني أن أكون إنساناً منتجاً في المجتمع.

عندما أتحدث عن أمي، أتذكرها صديقة قبل الأم، كم أنست وحدتي وأخرجتني منها وأرشدتني الى الصواب إذا هممت بفعل خطأ، إنها أمي التي غرست في أولادها كيف يكرمون ضيفهم، وأن الغني في القناعة، ومنها تعلمنا أن نرفع رؤوسنا عالياً، ونلتزم بآداب الإسلام وتعاليمه، وبمناسبة شهر رمضان المبارك كانت أمنا هي أول من علمتنا صوم الشهر الفضيل وأن نصبر على الجوع والعطش ونحن صغاراً، فهي تمتلك وسيلة إقناع قلما نجدها في غيرها من البشر، فكانت نعم المربي والمعلم ولا أبالغ إذا قلت نعم الشيخ الذي لقننا مبادئ الإسلام.

أمي التي سهرت ليالي طويلة وكثيرة لترعاني وأنا مريض، ولم تبدِ أي تعب من سهرها مهما كان مدى إرهاقها وشدة آلامها، ولم تشكو ألماً ليلاً حتى ولو حملت أعباء الدنيا نهاراً.. إنها أمي مقلة عيني، ولها أعود للبلاد مهرولاً كي أنعم بفطور أول رمضان معها، إمي التي لا نقيس الدنيا معها أياماً وسنين وإنما سعادة ومحبة وعطاء، فهي وقبل أن ترضعنا من قوتها أرضعتنا حب الخير للآخرين وإيثار النفس من أجل الغير والقناعة بما وهبه الخالق لنا والرضب به، فهي اتسمت طوال حياتها بالرضاء بما حباها الله به من نعم، وغرست فينا هذا الرضاء، ولمن لا يعلم فإن الرضى من الخصال العظيمة التي يمنحها المولى سبحانه وتعالى للإنسان. 

إنها إمي صاحبة أحلى لمسة يد، لمسة العشق التي لا تضاهيها لمسة في الوجود، أمي التي تذهب كل آلامي وأوجاعي بمجرد أن أرتمي في حضنها وتضمني الى صدرها نبع حياتي، إنه حضن أمي الذي يشع نوراً وبهاء ومحبة ويملأ روحي فرحة، إنه حضن أمي الذي أراه كالسماء وقت الصفا في ليلة قمرية لتنشر النور على كل الدنيا، إنه حضن أمي مثل النهر الذي ارتوينا منه ماء عذباً، إنه حضن أمي مثل زهرة الربيع الموردة والتي تتفتح مع بدايات نسمات الفجر المندية لتكون لنا الطيب والزعفران. إنه حضن أمي مثل النخيل الذي يرمي رطباً تكفي كل أفواه العالم.. ولهذا أوصى الإسلام بالأم، ومنحها حقوقاً، وجعل لها واجبات على الأبناء، منها التواصل والرعاية والاهتمام والاعتراف بفضلها فهي باب الرحمة لنا في السماء، وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْن) [لقمان:14[.

إنها أمي أعظم ما أنعم الله به علينا وأجل نعمه وأعظمها، نعمة أن رزقني بأمي، أطال الله في عمرها ووهبها صحة وعافية، وأدام عليها وعلينا ضحكتها وحنانها ونبع محبتها الصافي كالنهر الجاري منذ بدء الخليقة الى يوم القيامة.

أدعو الله عز وجل أن يديم علينا نعمة أمنا وألا يحرمنا من طلتها علينا ودعائها لنا ومن لمسة يديها الحانيتين ونظرة عينيها، ويا رب أدعوك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت أن أسبق أمي الى اللحد، وأدعوك ألا تحرمني من حضنها وحنانها، فبدون هذا الحضن لا حياة لي، ويتوقف نبضي للأبد.

كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا