النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

ذوبان الجليد الكوري

رابط مختصر
العدد 10637 الخميس 24 مايو 2018 الموافق 8 رمضان 1439

استمر الجدار الحديدي والثلجي منذ الحرب الكورية 1950-1953، وتواصلت تلك القطيعة بين النظامين السياسيين على اساس ايديويولوجي صارم لما يقارب الستة عقود او نيف في حقبة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفرز كوكبنا على اساس تلك الثنائية القطبية، حيث تحالفت الصين وكوريا مع قطب موسكو في مواجهة محور المعسكر الراسمالي العالمي. لم تستمر جمهورية الصين الشعبية الاشتراكية طويلا في محور وتجمع، «الحركة الشيوعية العالمية،» التي كانت موسكو تتزعمها في الصراع الدولي يومذاك،إذ سرعان ما انفصلت الصين عن ذلك التكتل الاشتراكي العالمي لتخلق لها محور مضاد ومستقل عن القطبين العالميين وهما في صراعهما المتفاقم، فنجحت الصين في التغلغل والتعامل مع احزاب شيوعية منشقة أو أحزاب ماركسية جديدة تبنت وجهة نظر الصين وباتت تدور في فلكها، فتم وصف تلك التيارات اليسارية الجديدة واحزابها بالخط والاتجاه الماوي المعادي في جوهره للامبريالية الامريكية والسوفيتية فيما وصفت الاحزاب الشيوعية في اوروبا والعالم الثالث وموسكو محور الصين بالاتجاه، «التحريفي».
هذا الانقسام داخل المعسكر الاشتراكي الواحد كان سببًا جوهريًا في خلخلة وحدة الحركة الشيوعية العالمية ومن ثم تمزيق وتفتيت الطبقة العاملة العالمية وحركات التحرر الوطني الى قسمين متنازعين متناحرين في دول ومؤتمرات وملتقيات دولية، بلغت الى حد بشع من التجاذبات أسهمت في تدميرها الذاتي، وأتاحت للولايات المتحدة والمجتمع الغربي والراسمالية العالمية في تعميق ذلك الخلاف، وذلك التنازع مما سهل من اختراق المعسكر الاشتراكي وشقه الى نصفين ومعسكرين تتقاسمه موسكو وبكين.
في ظل ذلك الوضع كانت الكوريتين بملامحهما القومية شعبًا ولغة وتاريخا يجدان نفسيهما منقسمين كبلدين متجاورين ومختلفين كما حدث تمامًا لألمانيا الفيدرالية بعد هزيمة المانيا في الحرب وتقسيم الدول المنتصرة المانيا الى قسمين عام 1945، وعلى اثرهما كان الجدار الشائك لاحقًا والذي ولد في بداية الستينات بين الالمانيتين كعازل حقيقي لايديولوجية النظامين المتصارعين والمختلفين. على غرار جدار برلين كانت تقسم تدريجيًا كوريا بكل تكوينها التاريخي الى جغرافيا سياسية جديدة تشاد على حدودهما منصات من التوترات العسكرية وتبنى السواتر والاسلاك وتدفن الالغام والمنصات الصاروخية ومكبرات الصوت، التي حملت التهديد المستمر للعاصمتين سيئول وبيانغ يونغ كعازل عسكري سياسي حفر ألما عميقا بين الشعب الواحد، فصنعت الايديولوجية نظامين وشعبين بثقافات ايديولوجية متناحرة، فيما العمق التاريخي والقومي لما قبل نشوء ذلك النظامين ظلت له امتدادته التاريخية داخل وعي وذاكرة الشعب الكوري المقسم بشكل عمودي وافقي، بل وتوزعت الاف العائلات بين الشطرين المتناحرين.
عاشت الكوريتان تحت مظلة وحماية ودعم المعسكرين، حيث احتمت كوريا الجنوبية بالحلف الغربي والياباني تتزعم تلك القيادة الولايات المتحدة فيما انحازت كوريا الشمالية لمعسكر الاتحاد السوفيتي والصين معًا سواء في فترة وحدتهما او اثناء خلافاتهم الحادة مما جعلها تنهج خطًا ثالثًا مستقلاً عن موقف المحاور داخل المعسكر الاشتراكي، محتفظًا بأهمية الاستفادة لبناء مشروعها الاشتراكي المستقل عن الرفاق في موسكو وبكين، فكل ما كانت تحتاجه حكومة بيانغ يانغ يومذاك دعمًا اقتصاديًا وعسكريًا من الدولتين العظميين ومساندة سياسية في معمعة الصراعات الدولية على المستوى الدبلوماسي والسياسي والعسكري. بتلك المناورات البراغماتية والانتهازية مع موسكو وبكين تركت بيونغ يانغ ابوابها مفتوحة معهما دون ان تقبل بهيمنة أي طرف عليها واتخذت موقفًا متوازنًا ومستقلاً ومحايدًا في نزاعات الرفاق، فالعدو الاساسي لبيانغ يونغ يومها في المنطقة كانت طوكيو وسيول المدعومتان بكثافة من قبل الولايات المتحدة الامريكية. لم يعد بعد نصف قرن على حكومة بيانغ يونغ المواصلة على نهج التشدد والعزلة، بعد ان شهدت بأم عينها متغيرات كبرى في العالم، وأن جليد ضخم يتهاوى في البيئة السياسية الجديدة في زمن العولمة، فقد كانت الصين قبل انهيار الاتحاد السوفيتي تنهج بهدوء نحو الانفتاح والتغيير في بناء علاقات وجسور مع، «الامبريالية العالمية،» وهناك انحراف في نهج الصين الايديولوجي، غير ان الصدمة الكبرى هو انهيار الجليد السوفيتي امام حكومة بيانغ يانغ، فباتت في حالة عزلة كاملة مع انغلاق داخلي عن العالم. لم تعد عسكرة المجتمع الكوري الشمالي مجدية في ظل توازن قوى جديد وتناقضات عالمية في المجتمع الدولي فرزت اصطفافات جديدة لن تتيح لكوريا الشمالية الاستمرار مطولا بمفردها، فهناك ضغوطات من خلف الكواليس من موسكو وبكين والولايات المتحدة واليابان، خاصة على ضرورة تغيير سياساتها المتشددة، حيث ما عادت تناسب الالفية الثالثة ولابد من الجلوس والتفاوض مع جارتها الجنوبية وحل اهم المعضلات وازالة كل بؤر التوتر بينهما وعلى وجه الخصوص تلك النزعات العسكرية وكثافة التسلح دون فائدة أو جدوى على حساب تنمية المجتمع والمواطن في كوريا الشمالية والدخول في اتفاق سلام ونزع السلاح النووي.
فإذا ما كانت نزعة الحرب تشيد ابنية من جدران العزلة بين شعب واحد، فإن بوادر السلام بين البلدين كفيلة بإذابة جليد الكراهية بين النظامين رغم كونهما شعبًا واحدًا بتاريخ عريق مشترك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها