النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

انقلاب السحر على الساحر...

نجاح ديناميات التفكيك في العالم العربي..

رابط مختصر
العدد 10636 الأربعاء 23 مايو 2018 الموافق 7 رمضان 1439

المتابع لتطورات الاحداث ومجرياتها في السنوات الأخيرة، يتضح له بأن الاستقرار لم يعد مطلوبًا في المنطقة، باعتبار الاستقرار بحدّ ذاته يشكّل عائقاً أمام تقدّم المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

فالولايات المتحدة الامريكية، استخدمت في عملها سلسلة من التدابير تتراوح بين استخدام القوة العسكرية لتغيير الأنظمة في أفغانستان والعراق، وبين سياسة الاحتواء المزدوج، تحت غطاء التشجيع على الالتزام بطريق الإصلاحات الديمقراطية في المنطقة. وهذا يعني ان الاستقرار ليس بالضرورة مصلحة أمريكية. بل لعل المطلوب هو إدخال المنطقة برمتها ضمن دائرة متصلة من المنازعات وإثارة الفوضى والنعرات والاحتجاجات، بما يدفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، فيسهل تصنيفها بكونها سلطات غير ديمقراطية، فتتم محاصرتها وابتزازها وربما حتى إسقاطها... 

هذا المنظور هو ما بات يسمى أمريكيًا بالفوضى الخلاقة، التي تستند إيديولوجيا على مفاهيم عنصرية تصف الوطن العربي بكونه تجمّعاً لأقلّيات دينية وعرقية عاجزة عن العيش سوية في كيانات حضرية وطنية، ولذلك ترتكز الحلول المقترحة على استخدام صريح لإحياء النعرات الطائفية أينما وجدت، وحشد القوى الطائفية المحلية وإثارتها ضد الأوضاع القائمة من خلال التركيز على النزعات الحقوقية من ناحية، وعلى مفاهيم الإصلاح السياسي أو «سياسة الزعزعة الديمقراطية» بـ«الارتكاز إلى قطاعات من المجتمع المدنيّ وتعبئة الإعلام المحلي والدولي، واختراع أبطال مغامرين» لحركة المعارضة التي غالبا ما تتخذ طابعاً استعراضياً. وقد سبق لنا وان رأينا العديد من هؤلاء «الأبطال» يركضون في كل اتجاه لإثارة الفوضى، بل ويستفزون السلطات لتتخذ في حقهم إجراءات تسمح لهم بالتحول إلى أبطال على الصعيد الإعلامي. 

والحقيقة أن هذه الاستراتيجية قد ظهرت وتطورت منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. ففي بداية تسعينيات القرن الماضي، أعلن المؤرخ والكاتب الأمريكي الجنسية، الصهيوني التوجه برنارد لويس، المختص في دراسات الشرق أوسطية، بأن «العالم العربي قد مات»، مقترحًا، منذ ذلك الحين، عبارة «الشرق الاوسط» بدلاً عن «العالم العربي والاسلامي». وذلك ضمن رؤية رسمها آنذاك لتفكيك الدول العربية والإسلامية، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، وأوضح ذلك بالخرائط التي تشمل التجمعات العرقية والمذهبية والدينية والتي على أساسها يتم التقسيم. وقد اقترح في مقالة في شكل رسالة موجهة إلى وزارة الخارجية الامريكية أيام حكم كارتر «إقصاء تعابير العالم العربي والعالم الاسلامي من القاموس الديبلوماسي الأمريكي. واعتماد مقاربة خاصة بكلّ بلد على حدة، قولاً وفعلاً»، والحديث عن المنطقة باعتبارها جزءًا من الشرق الأوسط الكبير الذي يبدأ من أسرائيل وينتهي في الباكستان. وقد سلم لويس هذا المشروع إلى بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر والذي كان يتحدث عن استطاعة الولايات المتحدة تصحيح حدود سايكس بيكو لتكون متسقة مع المصالح القومية الأمريكية، وإمكانية تثبيت اقدام إسرائيل، تمهيداً لتوقيع اتفاق سلام مع جيرانها أو تصفية القضية الفلسطينية.

وعلى ذات الصعيد، وفي في كتاب المنشقّ السوفياتي السابق المهاجر الى اسرائيل ناتان شارانسكي بعنوان: «قضية الديموقراطية» والصادر في الولايات المتحدة الامريكية في العام 2004م، جاء التأكيد على الحاجة إلى نشر الديموقراطية في العالم العربي كشرط لا غنى عنه من أجل توقيع اتفاق للسلام الشامل مع اسرائيل (هكذا!). وقد تبنت الإدارات الأمريكية هذه الاطروحات، فأعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كوندوليزا رايس: «في سبيل تحقيق هذا الهدف، لا يجب أن تتردّد الولايات المتحدة في إعادة النظر بالأوضاع القائمة في الشرق الاوسط، مهما كانت المخاطر الناجمة عن ذلك». وتستعيد هذه الرؤية أهمّ أطروحات التوجّه الاستشراقي والحلول المقترحة من أجل خدمة الديموقراطية ومصالح أمريكاً وإسرائيل معا، على استخدام صريح للطائفية وتوظيفها.

وفي هذا السياق يعتبر شارانسكي الاسلام، «تهديداً ليس فقط لوجود اسرائيل بل للعالم الغربي أجمع». وبالرغم من تأكيده الاقتناع بأنّ النزعة الى الحرية والديموقراطية هي نزعة عالمية مشتركة، إلاّ أن شارانسكي يؤكد وجود تعارض جذريّ بين الاسلام والديموقراطية. ولذلك يتحدث عما يسميه باستخدام نمط جديد من الثورات تحقق الزعزعة الديمقراطية حتى في البلدان العربية المستقرة، وتقوم هذه السياسة على «الارتكاز الى قطاعات من المجتمع المدنيّ التي تطالب بالتغيير، ودعم تحرّكاتها من خلال تعبئة الإعلام المحلي والدولي» باستخدام وتوظيف الديناميات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والطائفية، وخوض معركة شعاراتية تدور حول الديموقراطية وحقوق الانسان ودولة القانون، إلى آخر مفردات هذا القاموس المعلومة.

وفي هذا السياق يؤكد الاستراتيجي الأمريكي توماس بارنيت «أنه لكي تحافظ الولايات المتحدة على هيمنتها على العالم، يتعين عليها شطره إلى قسمين: دول مستقرة (أعضاء مجموعة الدول الثمانية وحلفائها) وبقية دول العالم الذي يعتبر مجرد خزان للموارد الطبيعية. لذلك، من الضروري اللجوء إلى التدمير المنهجي لهياكل الدولة في (خزان الموارد)، حتى لا يستطيع أي شخص، في يوم ما، أن يعارض إرادة واشنطن، أو يتعامل مباشرة مع الدول المستقرة». وهذا التدمير لا يعني أكثر من بالنسيبة للبلدان العربية سوى زج بلدان مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان.... غيرها في اتون الفوضى والطائفية التي لا تبقي ولا تذر.

ولكن ما هي حصيلة هذه الفوضى إلى حد الآن؟

ويكفي للإجابة عن هذا السؤال التوقف فقط عند النموذج العراقي فقط، حيث تفاقم التوتّر بين مختلف مكوّنات المجتمع، مع إعادة بناء النظام السياسي على قاعدة التمثيل الطائفي والعرقي بإشراف أمريكي - إيراني. وكانت ظاهرة داعش النتيجة الطبيعية لسياسة الاجتثاث والتهميش والطائفية. هذا نموذج للمنطق الأمريكي الجديد الذي يريد أن يؤسس إلى حسم طائفي في العراق، تمهيدا للتقسيم، لأن التقسيم في النهاية مصلحة أمريكية وإسرائيلية بالدرجة الأولى، حيث يتحول الوطن إلى أوطان وتقفز الطائفة إلى الصدارة... وهي بذلك تكون قد أطلقت ديناميات تفكيكية يصعب السيطرة عليها في المستقبل عندما ينقلب السحر على الساحر..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها