النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

هل سيجود رمضان هذا العام بمثل مسلسل (إقبال يوم أقبلت)؟

رابط مختصر
العدد 10635 الثلاثاء 22 مايو 2018 الموافق 6 رمضان 1439

ونحن في حومة البث الإعلاني المكثف لمسلسلات رمضان هذا العام 2018 على شاشة ال MBC، راحت ذاكرتي البصرية وعلى غير قصد مسبق، تفتش عن إعلان لمسلسل رمضان العام الماضي 2017 الكويتي (إقبال يوم أقبلت)، علها تطمئن على بثه ضمن مسلسلات رمضان هذا العام، ولكن لا جدوى، إذ لم أجد هذا العنوان مدرجا مع العناوين الأخرى لهذه المسلسلات، وبعد أن عادت بي هذه الذاكرة إلى رمضان هذا العام وليس العام الماضي، تساءلت: ما الذي يجعل هذا المسلسل ساطيا وبقوة على ذاكرتي حتى هذه اللحظة؟ ما هي الأسباب يا ترى؟ وأخذت أقلب الأوراق وأعقد المقارنات بين هذا المسلسل وتلك المسلسلات التي فاضت بها وطفحت فضائية ال MBC إلى حد التخمة ولم تتمكن من الاستيلاء على ذائقتي أو استحواذ اهتمامي نحوها بقدر ما استولى علي وأسرني وتملكني مسلسل (إقبال يوم أقبلت) منذ الوهلة الأولى لمشاهدته.
يا ترى ما السر في ذلك؟ لماذا اختلف هذا المسلسل عن المسلسلات الأخرى من مختلف النواحي، تأليفا وإخراجا وتمثيلا وتصويرا وفكرا ورؤية وأفقا؟ وتزداد دهشتي أكثر حينما علمت بأن مؤلف هذا المسلسل الإبداعي بما تعني الكلمة من معنى للإبداع، لأول مرة يكتب فيها مسلسل درامي للتلفزيون، هل يعقل ذلك؟ إنها كتابة احترافية واعية مستبطنة أغوار وأعماق النفس وموغلة في أدق تفاصيل علائقها الذاتية والاجتماعية المركبة، وآسرة بلغتها الدرامية السيالة والأخاذة والتي تسلط الضوء على أزمنة التعب النفسي وكيفية تناميها واضطرابها في مؤديتها الرئيسية خاصة الفنانة الآسرة اللافتة الناضجة فكرا وفنا هدى حسين، فإذا كانت هذه الكتابة الأولى لهذا المؤلف، وأعني به المبدع الشاب الدكتور الطبيب حمد الرومي، فإني أنصح بعض من سبقه في هذا المجال أن يتعلم منها ويستوعب كيفية نسج هذه الحكاية الصعبة المركبة في مسلسل متلاطم الأحداث والمواقف والمفاجآت.
إن مسلسل إقبال يوم أقبلت حكاية تتجاوز حالة الوصف المرضي البيولوجي لبطلته إقبال (هدى حسين)، إنها فقدنا الكوني الذي تتداخل في حيزه اشتباكات وصراعات القيم وكيفية السيطرة عليها بروح ملؤها الإرادة والأمل والتحدي، والمضمخة بنزيف المعاناة الداخلي الذي تعتمل في حيزه الموجع والمورط كائنات العقوق والخيانة واللامبالاة والرفض والغربة والتيه وعالم يصعب تحمل عبئه ومصائبه، ومع ذلك تستمر إقبال في تحديها لهذه الكوابيس المتفاقمة، وما أبلغ كلماتها: «ترى آنه ما مت.. بعدني عايشه.. لا تموتوني غصب»..
كلمات عميقة تفوهت بها السيدة إقبال أملا في حياة ينبغي أن يستوعب أفقها الأبعد أقرب أبنائها..
إنه مسلسل يرصد حالات صعبة في تسلسلها وانتقالاتها الزمنية المباغتة، زمن يتجسد ويتجلى بفائق بلاغته التعبيرية والفنية في أداء هدى حسين (إقبال)، جسدا وصوتا وإحساسا ونفسا.
فحين يختزل الممثل بأدائه المعبر فضاءات المشاهد التي يتجسد فيها، يكون الإيقاع والصورة والحالة كلها معا، إنه الحضور الطاغي للممثلة هدى حسين في دورها (إقبال)، وما أعمق اللحظات التي تتحول فيها غربة إقبال وعزلتها الحادة الموجعة، إدانة ومحاكمة للواقع الذي يضج بالفوضى والفساد والعقوق وعندما تكون الروح ممتلئة بهموم لا حصر لها يكون كل شيء وكل فراغ في الحكاية ممتلئ وآسر وإن ملأ المشهد إثنان، (إقبال وماجد).
إنها أزمنة تتخللها محطات انتظار، وكل محطة انتظار فيها عن ألف حكاية وحكاية اعتملت واكتنزت بها نفس إقبال هدى حسين الموجوعة، نظرات شاردة ومشتتة ووجه قلق ومؤرق ومخرج مبدع بقامة الفنان منير الزعبي، فإن من يستطيع أن يعيد إنتاج الخراب ويمنحه روح الأمل وزهو الحياة المتجدد، قادر على أن يصنع وطنا.. هكذا رأيت مسلسل إقبال يوم أقبلت.
ليست العبرة في تعدد اللقطات وثرثرة المشاهد حتى تكون مخرجا مبدعا، فلربما لقطة واحدة في مكان واحد أهم من ألف لقطة ومشهد ومن بينها محطة انتظار إقبال.
العمر واحد.. والرب واحد.. كافي خوف.. ما أبلغ هذه الكلمات وهي تطفيء لهيب الوحدة في نفس إقبال وتكون بسببها ملكة الموقف والبحر، عندما اعتزلت أبناءها ومحيطها الاجتماعي، وقضت أياما عرت من خلالها واقعا مؤلما في الكويت بعد حدوث عاصفة عام 2011، وجدوا على إثرها سيدة ستينية مغمى عليها في جزيرة مهجورة، وعلى إثرها تم استحضار الأزمنة التي عاشتها قبل حدوث هذه الأزمنة حتى لحظات إصابتها بمرض (الرعاش)، وعودتها لمدينتها لتكتب من جديد أملا جديدا يتعلم منه أبناء هذا الجيل الكثير من المواقف التي مرت بها وأفصحت عن قيم ما أحوج أبناء هذا الجيل بالتمسك بها وتمثلها على صعيد حياتهم.
والأبدع في كل هذه الصراعات، أن تحيي إقبال أملا في ابنتها المعاقة ذهنيا، في الوقت الذي تفقد هذا الأمل من أبناء أسوياء بالمعنى الجسدي والعقلي وليس النفسي طبعا، نعم كتابة الشخصية النقية في الدراما مربكة وأحيانا تبدو سهلة جدا لدى البعض ولكن الأصعب أن تكتب النقاء ذاته، هي الفنانة القديرة منى شداد.
ولا أخفي عليكم، فأنا كل يوم أزداد إعجابا بالممثلة المبدعة القديرة هدى حسين، فأداؤها لدور إقبال يعتبر أداء دراميا مركبا ومتناميا وعصيا على كثير القيام به، إبداع حقا، فمن بين كل ممثلي وممثلات مسلسلات رمضان 2017 السياسية والاجتماعية والإدعائية، تظل الفنانة القديرة هدى حسين (إقبال) أكثرهم حضورا وألقا.
وإذا كان هناك مشروع درامي يستحق أن ينال الجائزة الكبرى لصناع الأمل، فهو مسلسل إقبال يوم أقبلت، حيث لكل حالة مرضية تمر بها إقبال حل وأمل..
وتحية من القلب لكل من شارك في هذا المسلسل الرائع دون استثناء، انتصار الشراح، منى شداد، صمود، عبدالله الطراروة، هبة الدري وأوس الشطي غيرهم.
وبعد.. هل سيجود رمضان هذا العام بمسلسل يضاهي في أهميته وإبداعيته مسلسل (إقبال يوم أقبلت)؟ نحن ننتظر..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها