النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10967 الجمعة 19 أبريل 2019 الموافق 14 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

العراق... «جدل غير عاجل»

رابط مختصر
العدد 10633 الأحد 20 مايو 2018 الموافق 4 رمضان 1439

بداية الخريف الماضي وفي واحد من مقاهي بيروت، التي ما زال بإمكان روادها ممارسة ما تيسّر لهم من حرية التعبير وإبداء رأيهم في الأحداث التي تجري في بلادهم وفي بلاد الشرق، التي يشخص حالتها الكاتب العراقي سرمد الطائي بأنها مصابة بحمى الانقراض التدريجي على مستوى «الدولة والشعب»، في المقهى بدا هيوا (الناوبرداني) نسبة إلى مسقط رأسه ناوبردان، التي تقع على سفوح جبل «سكران» الفاصل بين إيران والعراق، أكثر يقظة من أغلب المؤيدين لاستقلال كردستان ومن المعارضين له، الذين دفعوا ثمن دفاعهم عما اعتبروه متلازمة «بغداد - كردستان» كضرورة وطنية لبناء عراق يتسع لجميع أبنائه، اضطر هيوا أن يغادر وظيفته الحكومية في بغداد عشية الاستفتاء على الاستقلال، بعد أن فقد منطقه الطريق إلى آذان غُلاة الكرد المغامرين في مستقبل شعبهم، ورفض شركاؤه العرب في بغداد تفهم موقفه.
في رحلة شقائه الجديدة روى لنا هيوا الساعات التي قضاها على معبر إبراهيم الخليل مع تركيا وطوابير المنتظرين على الحدود، عن قساوة الجندرما التركية ونقاط التفتيش المنتشرة على الطرقات الموصلة إلى مطار ديار بكر، عاد الخروج من كردستان يستغرق أيامًا وعادت الذاكرة إلى سنين مضت استرجع فيها صورًا من القسوة والصمت، تلك التي تؤرخ عنف البعث بأبعادها الثلاثة (العربي، التركي والفارسي). في شهر ديسمبر الماضي بعد وصوله إلى بيروت، عرض عليَّ الكاكا هيوا أن أنضم إلى مجموعة عراقية ناشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، عرضه كان نصيحة لكي أكون أكثر اطلاعًا على الأحداث العراقية وتفاعلاتها بعد أزمة استقلال كردستان والحرب على «داعش».
الانضمام إلى مجموعة «جدل غير عاجل» فتح نافذة تسللت منها إلى داخل واحدة من أبرز أروقة صناعة الرأي العام الافتراضية، تختزل هذه المجموعة العراق من شماله إلى جنوبه، التماسك الجغرافي بين أعضائها يعوض فشل المكونات العراقية في التعايش فيما بينها، خصوصًا أن وصفة المكونات باتت قابلة للتفكك بعد أن عصفت بها الأحداث ومزقتها، وتحولت فرقتها إلى مصلحة عراقية تحتاجها الوطنية العراقية الصاعدة، التي ظهرت ملامحها على حطام الهزائم الكبرى التي تعرضت لها كل المكونات، الكردية - العربية، والسنية - الشيعة، التي ذهبت إلى أقاصي العنف وعادت محطمة تبحث عن رافعة وطنية تنتشلها من قعر التطرف القومي والعقائدي الذي انحدرت إليه في الخمس عشرة سنة الأخيرة.
في «جدل غير عاجل»، يفتح ابن الفاو المنتفض على الموروث العقائدي والمنشغل في تفكيك شيفرة الإسلام السياسي الشيعي من داخله، يفتح الجدل واسعًا عن علاقة الإسلام ودولة التشيع والسياسة، الحوزة والسلطة، ويتقاطع مع شيخ المجموعة وكبيرها الذي علمها الحكمة القادم من ديالى، والذي يعلق على النتائج الأولية للانتخابات في البيئة الشيعية بقوله: «نرى شيئًا من التلاقي الموضوعي والتاريخي بين الشيعية والوطنية العراقية التقدمية على أساس مبادئ سياسية متقاسمة ربما أقل اجتماعية»، هذه القراءة شجعت شيوعيًا من المجموعة على الاعتراف بأن ما حصل عليه الحزب الشيوعي في الانتخابات على يد السيد مقتدى الصدر لم يحصل عليه في زمن قادته التاريخيين، فيما يرى ابن الموصل أن تصويت أبناء مدينته لقائمة رئيس الوزراء هو نتيجة قناعة لدى العراقيين السنة بالعودة إلى كنف الدولة المركزية والتصالح معها، وهو ما شجع أحد الأعضاء وهو من بابل على الاعتراف بأن السنة كانوا أكثر مرونة في اختياراتهم، بينما خضعت البيئات الكردية والشيعية في اختياراتها إلى سطوة القوى المسلحة.
لم يتردد أعضاء هذه المجموعة القادرة على صناعة الرأي العام العراقي والتأثير نسبيًا على بعض صناع القرار، في طرح أكثر القضايا السياسية والاجتماعية جدلًا في تاريخ العراق الحديث، من انقلاب 1958 وإعادة تقييم موضوعية للمرحلة الملكية، إلى البعث ومغامراته مرورًا بشخصية صدام حسين القيادية، والانتقال إلى الدكتور أحمد الجلبي والأسئلة الحرجة، والتوقف عند كنعان مكية واعتذاره المثير للجدل، وعن إعادة الاعتبار لتجربة برهم صالح وعادل عبد المهدي بعد أن آلمهما ظلم ذوي القربى.
«جدل غير عاجل»، صورة مصغرة عن عراق مثير للاهتمام، يعاد تشكيل أجزاء أساسية منه بعيدًا عن عيون الفاسدين والملثمين، تطمح نخبه في الوصول إلى دولة الممكن، وفن الممكن في الحالة العراقية أن تتيح الظروف المقبلة لهذه النخب المتواضعة الجلوس في مقهى الشاهبندر شارع المتنبي لقراءة قصائد شيركو بكاس، وطرح الأسئلة على زميلهم فرانكشتان بغداد.

عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها