النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10910 الخميس 21 فبراير 2019 الموافق 16 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:35AM
  • العشاء
    7:05AM

كتاب الايام

علاقة كيس الفئران.. بين إيران والأمريكان وعدم الاستقرار

رابط مختصر
العدد 10632 السبت 19 مايو 2018 الموافق 3 رمضان 1439

عندما تناقشت أنا وأحد الأصدقاء حول فكرة موضوعي هذا بالكتابة عن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، أبلغني بحكاية مصرية، وقال لي ربما تفيدك في مقالك، فاسمعها لآخرها وحدد مدى أهميتها لك في سردك للموضوع، و(لم أكذب خبرًا)، وتركته يقص حكايته للنهاية حتى قررت فعلاً أن أبدأ بها موضوعي، ربما للهدف منها وهو ما سيدركه القارئ مباشرة، وثانيًا لأنها مهدت لي فعلاً في ترتيب أفكاري.. أما حكاية صديقي فهي تروي أن مهندسًا زراعيًا كان يعمل في قرية بصعيد مصر، ركب القطار في طريقه للقاهرة، وجلس بجانبه فلاح مسن من أهالي القرية. لاحظ المهندس أن بين قدمي الفلاح كيسًا كبيرًا من القماش، وكان الفلاح يقلب الكيس ويخلط محتوياته كل ربع ساعة في أثناء الرحلة، ثم يعيد تثبيته بين قدميه، واستمر على هذا الحال طيلة الطريق. استغرب المهندس الزراعي جدًا من تصرف الفلاح، فسأله: «ما قصة هذا الكيس؟». فرد الفلاح: «عملي هو اصطياد الجرذان والفئران وأبيعها وأوردها إلى المركز القومي للبحوث بالقاهرة؛ ليستخدموها في التجارب المعملية». ثم سأله المهندس: «ولماذا تقلب هذا الكيس وتهزه كل فترة؟»، فقال الفلاح: «هذا الكيس به بعض الجرذان والفئران، ولو تركته من دون تقليب وهز لأكثر من ربع ساعة ستشعر الجرذان والفئران بالراحة والاستقرار، وسيتوقفون عن التوتر الغريزي، ولن يطول الوقت حتى يبدأ كل واحد منها بقضم الكيس ثم ثقبه، لذلك أهزه كل ربع ساعة كي أثير خوفها وتوترها، فتنشغل بالعراك مع بعضها منساقة بغرائزها وتنسى قرض الكيس ريثما أصل إلى مركز البحوث بالقاهرة». عقدت الدهشة لسان المهندس من طريقة تفكير الفلاح ومن (نظرية كيس الفئران)، ثم سرح بأفكاره في سياسة الغرب الأمريكي والأوروبي وصهاينة العالم وفلسفتهم تجاه بلداننا العربية، وكيف أنهم كلما بدأت شعوبنا تشعر بالاستقرار (يهزون الكيس) مطلقين الدسائس والفتن لتستمر سيطرتهم تحت شعارات عدة، منها محاربة الإرهاب، وفرض الاستقرار، وبشكل طبيعي تنساق شعوبنا خلف المتلاعبين بغرائزها، وينسى الجميع ضرورة «قضم الكيس وثقبه» الذي يتخذ أشكالاً عديدة، منها «حدود سايكس- بيكو»، والتقسيمات الدينية والطائفية والعرقية، وغيرها.

اعتقد أن حكاية كيس الفئران والجرذان وهزه كل فترة تغنينا عن تحليلات كثيرة لا داعي لذكرها، وإن كان علينا الآن العودة الى قرار ترامب المشار إليه، لتحديد المواقف المرتبطة به كافة، خليجيًا وشركاء إيران في الاتفاق النووي، ثم نختم بالموقف الإيراني، وربما لن نتطرق الى الموقف الإسرائيلي لضيق المساحة وإدراكًا بأنها تؤيد قرار ترامب قلبًا وقالبًا، بل من المحرضين عليه.

تقودنا البداية الى الموقف الخليجي ممثلاً في المملكة العربية السعودية على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير الذي أعلن تأييده بلاده لقرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران. وهنا نتذكر موقف السعودية من توقيع الاتفاق المشار إليه، إذ اعتمد على قناعة الرياض آنذاك بضرورة الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط والعالم. بيد أن ما فعلته إيران لاحقًا هو استغلالها العائد الاقتصادي من رفع العقوبات عليها واستخدمته للاستمرار في أنشطتها التي زعزت من خلالها استقرار المنطقة بكاملها. فلم تتوانَ إيران عن تطوير صواريخها الباليستية ودعم الجماعات الإرهابية في المنطقة، بما في ذلك حزب الله وميليشيا الحوثي التي استخدمت القدرات التي نقلتها إليها إيران في استهداف المدنيين في المملكة واليمن والتعرض المتكرر لممرات الملاحة الدولية. ويتركز موقف السعودية الأخير في ضرورة تحقيق الأهـداف المرجوة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي، بالتزامن مع معالجة الخطر الذي تشكله سياسات إيران على الأمن والسلم الدوليين بمنظور شامل لا يقتصر على برنامجها النووي، بل يشمل أنشطتها العدوانية كافة، بما في ذلك تدخلاتها في شؤون دول المنطقة ودعمها للإرهاب.

ربما يفيدنا موقف السعودية في فهم أبعاد القرار الأمريكي، خاصة في ظل ما يتحدث عنه الكثيرون في العالم كل فترة عن قرب نشوب حرب عالمية ثالثة كلما تصاعدت الخلافات بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، فما تريده دول الخليج هو الأمان والاستقرار وعدم الاتجاه ناحية الحرب؛ لأنها ستكون مدمرة للمنطقة وليست لإيران وحدها، ويكفي ما تشهده المنطقة من عواصف سياسية وعسكرية ناهيك عن موجات الطقس المتقلبة من عواصف وأتربة وارتفاع مفاجئ في درجات الحرارة، فالمنطقة لا تعيش في راحة حتى تأتيها أخبار الحرب. ونأمل أن تمر الأزمة على خير مثل سابقاتها التي تكون إيران أحد طرفيها في الغالب، وأن تتمكن الأطراف الدولية كافة من لملمة الأزمة وحصارها دون اللجوء الى خيار الحرب التي شهدنا (سيناريو) لها ممثلاً في الضربات الإسرائيلية للمواقع الإيرانية العسكرية في سوريا، في بداية المناوشات بين إسرائيل وإيران.

وبالنسبة إلى قرار ترامب لبقية شركائه في الاتفاق الذي تم توقيعه في إطار مجموعة (5+1)، أي الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وهم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين بالإضافة الى ألمانيا الشريك السادس في الاتفاق، لا ننكر أنه جاء مخيبا وصادما لآمالها، بعكس إسرائيل التي رحبت به واعتبرته انتصارًا لها. ولم تفلح الجهود التي سبقت قرار ترامب التي قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطانية تريزا ماي ثم روسيا والصين، في جعل الرئيس الأمريكي يتراجع عن تهديده بالانسحاب من الاتفاق النووي. رأينا كم الجهود التي بذلتها بقية الدول الموقعة على الاتفاق، خصوصًا الأوروبيين بهدف إنقاذه من الانهيار. فلماذا إذن كان هذا الحرص الأوروبي على استمرار الاتفاق كاملاً؟ هل بهدف عدم انهياره أم لإنقاذ تعاملاتهم الاقتصادية مع إيران؟

فالدول الأوروبية الثلاث الموقعة على الاتفاق -ألمانيا وفرنسا وبريطانيا- شركاء أصليون في التوصل إليه، ولذا يرون أنه يجب التشاور معهم قبل اتخاذ أي قرار يتعلق به خاصة لو كان الانسحاب منه. لكن لو علمنا حجم التبادلات الاقتصادية بين هذه الدول وإيران لأدركنا مدى اصرارها وحرصها على استمراره، فالسوق الإيرانية منجم مكاسب وإغراءات للشركات الأوروبية، إذ بلغ حجم التجارة الأوروبية مع إيران منذ توقيع الاتفاق النووي في يوليو 2015، نحو 25 مليار دولار مقابل بـ200 مليون دولار فقط للجانب الأمريكي. ناهيك عن صفقات تم ابرامها بين الأوروبيين والإيرانيين لم يعلن عنها بعد، أو أخرى في الطريق بمليارات الدولارات. وقد نستوعب من خلال هذه الأرقام حجم المصالح التي تربط هذه الدول الأوروبية بإيران. أما في حال انهيار الاتفاق النووي، فقد تصبح كل هذه التعاملات والمصالح في مهب الريح وتنهار بين عشية وضحاها، خاصة في ظل التهديد الأمريكي بتجديد العقوبات الاقتصادية ضد إيران، مما يضع الشركات الأوروبية في وضع صعب ماليًا واقتصاديًا. وثمة نقطة أخرى في القرار الأمريكي باستنئاف العقوبات ضد إيران، هي عدم قدرة أي من الشركات الأوروبية بالمجازفة والاستمرار في التعامل مع إيران وتعرضها بدورها للعقوبات الأمريكية والخروج من النظام المصرفي العالمي الذي تهيمن عليه أمريكا.

وللأسف، تعاملت الدول الأوروبية ومعها روسيا والصين بدافع اقتصادي بحت مع الأزمة، رغم التوافق الأوروبي والأمريكي والخليجي على أن إيران تمثل خطرًا بسياساتها الإقليمية الحالية وتمثل عنصر عدم استقرار للمنطقة ويجب العمل على وقفها. فالأوروبيون يعلمون قبل غيرهم باستمرار قيام إيران بتجارب صاروخية وتطوير صواريخ باليستية تخل بموازين القوة في المنطقة وتهدد استقرارها، ثم يدعي الأوروبيون عدم جدوى فرض أي عقوبات اقتصادية ضد إيران؛ لأنها لم تنجح في الماضي من استمرار الأنشطة النووية أو تغيير النظام الإيراني من الداخل. ويزيد الأوروبيون في ادعاءاتهم بأن إيران تخلت طواعية عن برنامجها النووي والتزمت بما اتفقت عليه بشهادة المؤسسات الأمريكية ذاتها، وأن المأمول حاليا ليس التخلي عن الاتفاق، بل الحفاظ عليه ودعمه، كما أنهم يبالغون عندما يرددون زيفًا أن سياسة واشنطن الجديدة بالمواجهة مع إيران ستقوي شوكة المتشددين داخل النظام الإيراني وتدفعهم إلى تبني خطوات تصعيدية، بما يزيد التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة ودفعها إلى مزيد من الحروب والصراعات.

لا شك أن إيران تستفيد من الوضع الحالي بين الأوروبيين والأمريكيين، فقد نجحت في إحداث وقيعة بين الطرفين، وزاد عليها التشدد الصيني في ضرورة استمرار العمل بالاتفاق لأسباب اقتصادية صينية أيضا، وعلينا الانتظار لنرى أي رؤية ستنتصر في النهاية، علمًا بأننا لم نتطرق إلى الموقف الإسرائيلي لتأييده التام لما أعلنه دونالد ترامب، بل كانت إسرائيل من الدول المحرضة على انسحاب الولايات المتحدة منه، والسؤال في الوقت الراهن: أي طرف سينجح في فرض وجهة نظره على الاتفاق؟ في تحول الموقف الى ما يشبه حالة الحرب بين المؤيدين لاستمراره والرافضين له، لكن في النهاية نأمل ألا يتطور الموقف الى حرب عالمية ثالثة كما يتحدث البعض، فالمنطقة تعاني من يكفي من الأزمات ولا تتحمل المزيد من الإخفاقات وعدم الاستقرار، وهنا أذكر الجميع بحكاية «كيس الجرذان والفئران»؛ لنستلهم منها حكمة الفلاح المصري في تقليب الكيس وهزه كل فترة حتى لا يرتاح من بداخله!

قبل الأخير..

ورغم كل ما سبق، لا يفوتني تهنئة الجميع بحلول شهر رمضان المبارك، أعاده المولى عز وجل على مملكتنا العظيمة وقيادتها الرشيدة وشعبها الكريم باليمن والبركات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها