النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

انتشار ثقافة الدجل الزمن الغافي على رصيف الفقاقيع..!!

رابط مختصر
العدد 10629 الأربعاء 16 مايو 2018 الموافق 30 شعبان 1439

ثمة فرق كبير بين المؤهلات المطلوبة للانخراط في جمعية ثقافية، وفي جمعية رياضية أو في جمعية خيرية أو في جمعية حماية القطط الضالة، أو الاشتراك في صالون تجميل. الفرق كبير ولا شك، والمواصفات والشروط مختلفة. وان كانت جميعها محترمة ومقدرة، فإنها متباينة ولا يمكن الخلط بينها.

يدفع إلى هذه الملاحظة ما نراه من خلط للأوراق غريب وغير معتاد، لا بمعيار المنطق، ولا بمرجعيات العرف السائد. فقد ساحت الألوان على بعضها البعض، ولم نعد نعرف الأبيض من الأسود، ولا الأحمر من الأزرق، ولا المثقف من الجاهل، نتيجة لانتشار حالات الثرثرة غير المسؤولة والتي باتت تزكمنا بروائحها الكريهة. فإذا جرى الحديث عن الأدب والأدباء والشعر والشعراء والفيزياء والكيمياء تجدهم خبراء التو والساعة. وإذا دار الحديث عن الفلسفة يزعمون بأنهم من رواد (الكوجيتو).. وإذا تعلق الأمر بالسياسة والسياسيين والتاريخ والجغرافيا، ومجلس الأمن، وأزمة كوريا وجمهوريات البلطيق، والاتفاق النووي مع إيران، تجدهم يدلون بدلائهم، ويوقعون الحديث في تشدق غريب ومستفز بأنهم أعلم العلماء، مؤكدين بأنهم قد أحاطوا بكل شيء علماً.. ونالك من لا يقرأ من الصحف سوى أسعار العملة باب الأبراج والنجوم، يندفع بحماس في أي حوار أدبي أو فكري أو ثقافي أو سياسي. يزعم أنه التقى بودلير وألبير كامي، عندما كان يتسكع في الحي اللاتيني في باريس، والسياب عندما كان «يتفسح» على ضفاف دجلة.

إن هذه الحالات لتكاثرها، أصبحت مستفزة.... فالكل يتحدث، يحاول استعراض عضلاته ومعلوماته وجهله وادعاءاته أحياناً. ويريد أن يوهمنا بأنه يعلم ما لا نعلم، ويعرف ما لا نعرف، ويدرك ما لا ندرك، ويقدر ما لا نقدر، ويستنتج ما لا يستنتج. وأمام هذا الطوفان من الادعاء، تصاب بالغثيان: تتصفح الصحيفة فيصفعك الادعاء، تتصفح المجلة فيؤلمك الادعاء، وتستمع إلى الراديو فيحتاجك طوفان الثرثرة والحكمة المزيفة والأبوية الزائدة. الجميع يتكلم بعلم أو بغير علم. الجميع يثرثر بمعرفة أو بجهل.

وفي كل مرة تجمعك الصدف بمثل هذه النماذج الثرثارة المدعية تحاول إقناعهم بالتلميح وبالأدب وبالإشارة بأنهم متطفلون على هذا الميدان أو ذاك.. وأنهم قد يكونون من المتبحرين في وجه من وجوه المعرفة أو الحياة أو الاختصاص المهني، ولكنهم لا يعرفون شيئاً في السياسة والفلسفة والأدب والنقد وعلم الجمال مثلاً.. ولكنك تفاجئ بحجم الادعاء والغوغاء الذي لا يعطي مجالا لتصحيح الصورة.. وتقول لهم بأن الإنسان، مهما تبحر وتوسع، فإنه يبقى محدود المعارف، بالقياس إلى حجم المعرفة الإنسانية وتنوعها وتشعبها. عندما تحاول ذلك يضحكون أو يستخفون. وقد يكرهونك ويتجنبونك نهائياً، ويتحاشون مجالستك على اعتبار أنك جاهل ترفض ان تقر لهمبالباع والعلم وان تعترف لهم بالدراية والنباهة والثقافة، التي لا تسعها الا المحيطات.

ومن كثرة هؤلاء الأدعياء المرضى، أصبحت أتمنى أن أرى من يقول: لا اعرف. لا علم لي. لا أدري. الله أعلم.. 

ولا شك أن افتقاد المجتمع إلى مثل هؤلاء يدل على إننا نعيش نوعاً من الاختلال النفسي، يؤدي إلى الكذب والغرور والادعاء وظهور حالات من الفقاقيع والظواهر المرضية على الأسطح.

ووسط هذا الركام من الهذيان وسهولة النشر والانتشار، صار الفكر ضائعاً والإبداع تائهاً. وامتلأت الساحات بالمتطفلين وإنصاف المثقفين، وتساوى الإبداع بالبطيخ. وذلك وجه من وجوه مأساتنا.

منطق الركاكة والسخافة والوجه الثاني من هذه المهزلة - وهي ترتبط بالأولى - يتمثل في ظاهرة الادعاء الإعلامي، مع ضعف الأداء، وهي آفة إذا حلت بالإعلام حطت من قيمته ومكانته وبعثرت رصيده، وجعلته هزواً. فالادعاء وضعف الأداء ليسا في حاجة إلى بيان، فهما المشاهدان بالعيان: نفس الوجوه الهزيلة، والركاكات التي درجنا عليها وما زلنا نراها ونسمعها وهي تصيبنا بالغثيان يوميا. ضعف الأداء مبني على فقر في الإمكانيات واعتقاد بأن الإعلام شاعر جاهلي يصرخ في البرية لاستنهاض الحمية في معارك الثأر الغوغائية. مجرد كلمة رنانة ومذيع يصدح، وصور فلكلورية باهتة، فقيرة تحيل إلى العصر الحجري.

ضعف الأداء يظهر في تكالب السخفاء تكوينا، والفقراء فكرا وموهبة، حتى بات الإعلام العربي مستباحًا يخوض فيه العامي والإعلامي، الجاهل والعالم، المبدع والسطحي، بل إن هذه البلوى قد أصابت حتى بعض مؤسسات الإعلام الخاص.

وضعف الأداء - أخيرًا - ارتجالية مؤسسة على البلادة، وفقر في الموهبة وضعف في الخيال. ارتجالية غياب الضبط وغلبة الخلط والخبط وهزال القوالب الإعلامية التي لا تنطوي على شيء من الثقافة أو الابداع. فتكون النتيجة الحتمية ظهور الغوغائية الإعلامية التي أوجدت فئة من المحسوبين على الإعلام لا يقدر «أشطرهم» أن يحرر مقالاً، أو يجري مقابلة بالمواصفات الإعلامية المهنية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.. 

والمهم أن تكون رسالة الإعلام: صدق الرسالة والمقصد والنوايا، دون تزييف أو إثارة، وإبراز للحقائق والانجاز دون تطبيل أو تحقير أو تغييب، وتعزيز لوحدة المجتمع وتعايشه السلمي، وجعل الديمقراطية ذهابا نحو المستقبل بلا رجعة إلى الوراء. ثم الدفاع عن الحق دون وقاحة أو تحامل، وجعل المصلحة الوطنية العليا بوصلة التحكم في جميع المسارات. أما من حيث الشكل، فمن البديهي أن يكون الإعلام محكوماً بالإبداع والمهنية، بما يقتضي تخليص الساحة من الزائفين والدجالين والدراويش والكذابين. ومثلما لا يستطيع درويش أو مهرج تصميم جسر أو ناطحة سحاب، فلا يعقل أن يتصدى ذات الدرويش الدجال لتوجيه الرأي العام لمجرد انه يريد ذلك، أو لمجرد التسلسل التناسلي الذي قد يوصله إلى العنوان الخطأ في الزمن الخطأ.

 

همس

 

أبحث عن أزهار الربيعَ المنقضي، 

غافيًا قرب أيادٍ

لا تعرفُ سوى عبادة الساعات،

أمضي مثل غيمةٍ فوق الجبال،

والجبال قلب المنتهى،

فأقرأ جهة الصخب المسرع 

مع الفجر،

فيكون البحر داخل القلب والروح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها