النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

ثقافة النقد والاعتراض

رابط مختصر
العدد 10625 السبت 12 مايو 2018 الموافق 26 شعبان 1439

سأل المذيع العربي التلفزيوني فنانة لبنانية تعيش في باريس: ماذا تعلمت من فرنسا؟ دون تردد أجابت الفنانة: الاعتراض، ثم أضافت: الفرنسيون يعترضون كثيراً وبشدة. الإجابة كانت غريبة بالنسبة للمذيع العربي، كما أنها غريبة بالنسبة لنا، فنحن نتجنب الاعتراض خشية من عواقبه، وفي فرنسا هناك الكثير من الأمور الإيجابية التي يمكننا تعلمها من بلاد هي في ذروة الحضارة. ومنها انطلقت أكبر ثورة عرفها التاريخ البشري، فأحدثت دويا عاليا في أوروبا، وإمتد تأثيرها في كل العالم. 

لماذا اختارت الفنانة اللبنانية هذه الجزئية التي قد نراها صغيرة ولا تعني الكثير، لكنها غير ذلك لمن يطلع على الثقافة الفرنسية التي أسست الحضارة الغربية الحديثة القائمة على العقلانية، والمنطق  والتحليل ورفض الأفكار الجاهزة، والمساهمة بإيجابية في المجتمع. الاعتراض يكون عادة على ما هو خاطئ، ما يضر بالمجتمع والمصلحة العامة. وهو أعلى درجات النقد الذي لا ينتشر في الدول التي لا تحب الاعتراض ولا النقد، الدول التي تضيق حرية الأفراد وتعودهم على القبول والطاعة والتسليم بالأمور. الدول غير الديمقراطية تحب الطاعة العمياء، وتطرب أذنها للمديح، وتعتبر النقد والاعتراض تمردًا وتشكيكًا في نواياها وكفاءة أجهزتها، كما أن النقد يضعف هيبة الدولة، ويثير الرأي العام، رغم أن هذه الدول تزعم أنها تقبل النقد الإيجابي، وهو في عرفها، ذلك النقد الذي يطري إنجازاتها. هذه الدول لا تعتقد كما هو في الغرب أن واجبها هو خدمة المجتمع أفراداً أو جماعات، وأن المجتمع يتكون من أفراد، وبالتالي فخدمة الأفراد هي خدمة للجماعة. 

الدول المستبدة أفقها ضيق وهي  بعيدة عن ثقافة العصر، وروحه ذلك الذي يحترم الفرد ويمنحه حقوقاً واسعة، ويملي على الدولة واجبات كثيرة عليها أن تؤديها للمواطنين بطيب خاطر. هذه الدول تخشي النقد والاعتراض لأنها مليئة بالنواقص والعيوب. 

الاعتراض من هذا المنظور العصري يكثر في البلدان الحرة، التي يتمتع فيها المواطن بحق النقد وإبداء الرأي دون خوف من سلطه ترهبه، فهو محمي بالقانون الذي يجيز له النقد والاعتراض. بهذا المفهوم فالدول التي يكثر فيها الإعتراض هي الدول الأكثر حرية. يكون الاعتراض رديف للنقد، وشكل متقدم من النقد والإيجابية والتفاعل مع المحيط ، لذا لا يجب أن تخشى الدولة العصرية النقد والاعتراض لأنه يخدمها ويصب في صالحها، فهي دون ذلك لا تعرف أخطاءها ونواقصها الكثيرة، وعادة ما يؤدي كبت النقد والإعتراض الى الانتحار في النهاية والعنف المدمر، وأمامنا أمثلة كثيرة في البلدان العربية. 

يعتبر النقد والاعتراض ضرورة للتطوير والتقدم في الدول الحديثة، وهما يؤسسان لخلق المواطن الإيجابي الذي يكترث لما يجري في محيطه الإجتماعي، ويتفاعل مع قضاياه الوطنية والاجتماعية، عادة النقد والاعتراض تجعلان المواطن، ليس متفرجا على الأحداث بل فاعلاً فيها، وصانعاً لها. يكون المواطن في هذه الحالة ذو عقل نشط، متيقظ، وناقد. 

لماذ تمنح الصحف في البلدان الغربية حرية واسعة؟ لأن النقد ومعه الاعتراض أصبحا عرفاً يتأسس عليه البناء والتطوير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فالسلطة التنفيذية تعرف جيداً أنها تحت رقابة الصحافة التي تمتلك حريات واسعة، فعليها أن تجتهد وتنجز وتبدع وتطور. وعملها في هذه الحالة يكمل دور البرلمان، و يكون إمتدادا له، وغالباً ما يكون مقياس هذه الصحف الحرة هو المصلحة العامة، وخدمة المجتمع، وعدم الإضرار به. تنتشر روح النقد والاعتراض في المجتمعات التي تحب الاعتراض وتعتبره رافعة للتقدم، وهذه المجتمعات تتقبل النقد والاعتراض على كل الجهات والجبهات: النقد والاعتراض على الحكومة التي هي إدارة يختارها المجتمع لتصريف شؤونه لا للتسلط عليه واضطهاده وتجاهل حقوقه ومعاملته بمنة وترفع وعدم اكتراث، فإذا فشلت هذه الإدارة في خدمة المجتمع أصبح وجودها عبئًا عليه. 

والنقد والاعتراض غالبًا يكونان على شيء خاطئ  يجب إصلاحه، لإعادة الأمور الى نصابها الصحيح، وإصلاح المعوج منها، وإحقاق الحق، وإزهاق الباطل. والاعتراض لا يأتي من مواطن مذعور خائف، مهدد في رزقه وحياته ومستقبله، مواطن يخشى الدولة التي تحمي الأقوياء، ولا تحمي الضعفاء. دولة بلا قانون. أو دولة بقانون لا يصب في مصلحة الأغلبية. النقد والاعتراض لا يأتي من مواطن مقهور، مذلول، يخشى الحكومة، والمؤسسة التي يعمل فيها، ويخشى كل شيء. 

النقد والاعتراض منهجان للتغيير، للوصول الى الكمال. وإذا كان النقد والاعتراض ضروريين في الغرب المتقدم، فهما أكثر ضرورة في الشرق المتخلف. هنا النقد والاعتراض هو وجود أو عدم، حضور أو غياب. مارسوا النقد دائماً لكن بالعقل لا بالعاطفة، بالمنطق لا بالجهل والتهور، هذا هو طريق الأمم للنجاح والتطور. لا تنافقوا، لا ترتعشوا، لا تخافوا، لا تخشوا قول الحق، والدفاع عن الحق والمصلحة العامة. 

السلطة التي لا يعترض مواطنوها وكتابها وصحفيوها، هي سلطة مستبدة، والسلطة التي يعترض مواطنوها وكتّابها وصحفيوها هي واحة  للحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان. السلطة التي يعترض فيها الناس هي سلطة معافاة عادلة لا تخشى النقد لأنها تثق في عدالتها، وتثق في مواطنيها، وتنصف الجميع، وتنفذ القانون، إنها دولة العدل والقانون وهي فوق ذلك تسعي الى خير المجتمع، وتعمل ما في وسعها، وتنجز، وهي سلطة قريبة من الناس، يحبها الناس ويدافعون عنها. هي معهم دائماً وليس ضدهم. الدولة الديمقراطية يكثر فيها النقد والاعتراض، وهي تحب أن ترى مواطنيها أقوياء إيجابيين، يقظين، وبناؤين، وسعداء وأحرارا، وهي عكس السلطة المستبدة التي تريد مواطنيها نعاجًا، وأصفارًا في الشمال، ورعاعاً، وقطيعاً شديد الطاعة، لا حول له ولا قوة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها