النسخة الورقية
العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

من الذاكرة: سيف قلالي وبحرها

رابط مختصر
العدد 10624 الجمعة 11 مايو 2018 الموافق 25 شعبان 1439

 فكرة هذا المقال الذي بين يديك قارئي الكريم انبثقت من وحي استذكار وتأمل ساعة ممارسة رياضة المشي حول «بحيرة» قلالي، وهي ما تبقى من ساحل طويل عريض كان يشكل حزامًا بين البحر وبيوت منطقة قلالي غير انه بحكم النهضة العمرانية التي تشهدها مملكة البحرين قد اختفى ولم يعدْ له من أثر إلا ما علق بذاكرة أهل قلالي ممن أنفقوا ردهات من العمر على ضفاف هذا الشاطئ أطفالًا فشبابًا وكهولًا ثم شيوخًا. وإن لي بهذه المناسبة أمنية بل رجاء بأن تحظى هذه المنطقة المتبقية من شاطئ قلالي باهتمام المسؤولين؛ لتكون رئة أخرى إلى جانب ما تفضل به صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى حفظه الله ورعاه بتخصيص ساحل، يتنفس منها أهالي المناطق التي تطل عليها هواء نقيًا مثلها في ذلك مثل محمية دوحة عراد، وألّا يجد الطمع بابًا مؤديًا إليها لاستغلالها لغير الترويح والرياضة. أفاضت بي ساعة التأمل والاستذكار إلى ما يأتي، وها أنذا أطرحه بين أيديكم صدىً مني إليكم: 

 حتى بداية التسعينيات كان بحر قلالي ملء عين قاطنيها ورائحته تملأ رئآتهم. كان هذا البحر منبسطًا على مد البصر، وكان يضوع منه خليط من رائحة اللؤلؤ والأسماك ورائحة أبدان الصيادين يمنح بفيض كرمه أجواء القرية عبقًا فريدًا لا يُتحصل عليه إلا في المناطق المستسلمة لقدرها على حواف السواحل والشواطئ. وكان سيف القرية في أوج جماله ممتدًا، في شكل قوس، من بستان المناعي غربًا إلى نخل «ابن أمين» الذي أصبح كما كثرة من البساتين غيره في المنطقة أثرًا بعد عين، وهو الحد الجنوبي الشرقي الذي يفصل القرية عن مدينة الحد، هذه المدينة المستلقية هي الأخرى في دعة في أقصى نقطة من جنوب محافظة المحرق. ففضلًا عن أن البحر كان، في حالة جزره ومدّه، يتيح للأهالي فرصة الاسترزاق من جوفه، فقد كان يسبغ، في حالتيه جمالًا على السيف ذي الرمال البيضاء الناعمة. البحر والسيف كانا آية جمال للقرية قبل أن يتيحا ليد التطوير والإعمار أن تغير من ملامح القرية فتعريها من أعز ما حباها به الخالق عز وجل، وتحرمها من نعيم شاطئ جميل قل وأن تجد له نظيرًا.

 قديمًا كان الناس، من خارج قلالي، يقصدونها للتمتع بما حباها الله من بحر جميل في مده وجزره، وسيف مؤثث ربانيًا برمال ناعمة كنا وقت الجلوس عليها في ليالي الصيف لتزجية الأوقات نحسبها ريش نعام لفرط نعومة ملمسها، ونخيل ومياه عذبة تحيط بها من ثلاث جهات والجهة الرابعة، الشمالية، مفتوحة على البحر الذي وظفه الأهالي للكد ومما يصطادون للعيش.

 مَن مِن جيل الخمسينيات وحتى التسعينيات يتصور أن قلالي اليوم من غير سيف وأن بحرها فرّ مبتعدًا أكثر من كيلومترين تاركًا مساحته ليرسم عليها الإنسان خرائطه ومخططاته ليغير من هيئتها عن بكرة أبيها؟ هذه حقيقة باتت شاخصة لهذه القرية التي كانت ترفل في كل الصباحات بزينتها الطبيعية حيث تتجدد أمواج البحر في مدها السرمدي لترتطم بجدران بيوتها وتترك الملح عالقة بها عندما يحين وقت جزرها، وهذه الحقيقة هي ضريبة التطور والتحسين الذي تشهده مناطق البحرين كافة. وها هنا يقفز سؤال مفاده: هل أهالي منطقة قلالي راضون عن هذا التطوير، والتغيير الذي طال الجغرافيا؟ سؤال لا بأس من طرحه، ومن مناقشته رغم أن الإجابة المختصرة عن هذا السؤال هي نعم إنهم راضون، وتستتبعها كلمة لكن.. لكن ماذا؟!

 عليَّ القول بداية إن مناقشة هذا السؤال ليس الهدف منها تغيير ما استقرت عليه الجغرافيا، وإنما العمل على تطويرها بحيث تبقى مصالح أهالي القرية محفوظة لا تتأثر بالتغيير الذي ليس منه بد إذا ما نحن نشدنا التطوير الذي هو عنوان عهد صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه. فالتنمية العمرانية الذكية هي التي تستثمر خصائص الجمال في المنطقة وتحافظ عليها لتكون جاذبة للناس وللاستثمارات السياحية التي يحتاج إليها البلد.

 لا شك أن للتطوير والتغيير ضريبة ينبغي دفعها، وإذا ما الإنسان سعى للتغيير في حياته، وأراد أن يلحق بنواصي القفزات الحضارية التي تطال مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، فإن عليه أن يرضى بدفع هذه الضريبة، وإن كانت بتغيير ملامح أمكنة يعز عليه أن يراها تتبدل. إلا أن هذا التغيير لا ينبغي أن يمس جوهر المنطقة وروحها؛ كي تبني حداثتها من عراقتها وأصالتها. 

 من ينكر عطاءات الدولة البحرينية لمواطنيها ومناطقهم، فهو كافر بالنعمة. ولكن لا ينبغي أن ندع أي ثغرة يعلن منها المواطن تذمره بالبرامج الحيوية التي تنهض بالمجتمع. أهالي قلالي أهل بحر، وحتى وإن هجر الكثير منهم البحر مهنة رئيسية إلى مجالات عمل أخرى، فإنه ما يزال امتدادهم الحيوي ومطيتهم يمارسون فيه عملًا إضافيًا له الفضل في تغذية السوق البحرينية بكميات محترمة من الأسماك، وهذا ما يعني ضرورة توفير مهجع (مرفأ) لقوارب الأهالي، مما أعتقد أنه سيخفف حتما من تذمر أو قُل «تحلطم» الناس على التطوير الحاصل في القرية وينقص من استياء بعضهم المشوب بحسرة على زمن ولى ولن يعود.

 نبه إلى أهمية هذا الأمر غيرنا، وأجروا لهذا الهدف تحقيقات مصورة في صحافتنا المحلية، وها نحن نقتفي الأثر ونكتب تحقيقًا للمصلحة العامة. فقلالي وأهلها يستحقون من الحكومة مزيدًا من الاهتمام والرعاية، كي تكون بدورها وجهًا من وجوه البحرين الحديثة التي تبني نهضتها المعمارية والاقتصادية دون التغافل عن روح الأصالة التي تتجاوز في حضورها أشكال المعمار لتكون جزءًا لا يتجزأ من عقول الناس ومهجهم، ومحركًا رئيسًا لجهد جماعي يرفد عمل الحكومة، ويحمل الجميع مسؤولية المحافظة على قلالي جميلة متألقة فاتنة جاذبة لكل عشاق جمال الطبيعة وذكاء تعامل الإنسان البحريني معها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها