النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

التكسب السياسي لا يليق بتاريخ الموتى

رابط مختصر
العدد 10620 الإثنين 7 مايو 2018 الموافق 21 شعبان 1439

تلقيت خبر وفاة الاخ والصديق «الاستاذ» سالم ويدي
بحزن خاص وصامت وعميق، خاصة اذا ما كانت تربطك بالشخص معرفة قديمة تمتد منذ فترة 67-68 غير ان عواصف الحياة التي كانت تتقاذفنا نحن جيل الستينات، لم تتح لنا فترة كافية لنمارس انسانيتنا وعلاقاتنا مع الاهل والاصدقاء. هكذا وجدت نفسي اتتبع اخباره من خلال الاصدقاء القريبين منه بكل معنى الكلمة، اصدقاء الحي والطفولة. كانت تربطني علاقة مباشرة بصديقين اساسيين للاخ سالم (وطبعا نحن لا نناديه الا بالسلم) والذي لا تربطنا به علاقة كلفة ابدا. كان الاول هو الاستاذ محمد يوسف الذوادي جار سالم وصديق حياته المبكرة في حركة القوميين العرب، والثاني هو الاخ ابراهيم سند، الذي خبر حياة «السلم» من خلال الحي والانخراط السياسي ورفقة الصبا، فمن خلال الذوادي كانت تصلني اخبار «السلم وسوالفه» فقد كان الثلاثة قريبين جدا للنادي العربي. تلك الترويكا التي تشبعت روحهم وحياتهم من بيئة وحي معدم وناس من القاع وفقراء مطحونين فكانت السياسة والانتماء الحزبي خيارهم، فلا يمكن تخيل حياة سالم ويدي السياسية خارج بيئة حي ابو صرة والزراريع، فهناك تمرغت حياته بطين زقاق ممطر وهموم الناس ووجوه الغرباء والعابرين وعبق السوق القديم المجاور لسوق«المقاصيص»، وذاكرة البيوت اليهودية والحي الافغاني ومقهى العدامة، وغيرها من اسواق مجاورة تعبق باسواق الخضرة والحدادة ونهيق الحمير والحمّارة وهم يثرثرون بانتظار نصيبهم اليتيم من الحمالة. في هذا الفضاء الكوني تفتحت عينا سالم على صور البؤس وتشنفت أذنيه نغم اللهجات القادمة من وراء موج بعيد، ومسافرين وبحارة توقفت سفنهم عند ضفة البحر المجاور للحي المعجون من نسيج الدنيا. كان الذوادي لاعبا اساسيا في فريق العربي وكنت اتغدى بين الحين والآخر معه في بيت جدته في ذلك الحي المنسوج بالتسامح والبساطة، في ذلك البيت كان يشاركنا سالم جلساتنا الحالمة في سنوات نضارتنا الشبابية، ونتيجة انقطاعات الغربة لم اعد ارى سالم غير انني تواصلت مع الذوادي في سفراتنا وجولاتنا معا في اوروبا، حينها كنت اسأله عن اخبار«السلم ودقاته !» واخبار ابراهيم القابع في صومعته واصفاده، لعلنا ونحن في قطارات تعبر بنا مدنًا ماطرة وغائمة في صيف اوروبي جميل، نظل بذاكرتنا ومشاعرنا مرتبطين بالاصدقاء وبالحكايات الجميلة في طرقات سوق المنامة وازقتها. بطبيعته كان «السلم» خيمة مرح ونكتة وظرف وبساطة طفل وولع بمغامرات غزل فاشلة ببنات الاعيان، كما هي احباطات السياسة المستمرة، التي لم يتعلم منها دروسا، هكذا ظل في خانة افكاره القومية القديمة، لولا تلك القراءات اليسارية الفوضوية المشوشة والعابرة من منوعات اليسار الاوروبي والماوي واللاتيني. ورغم القراءات المكثفة والمبكرة فإن «سالم» لم يحظ بامكانات كتابية في مجالي الفكر والفلسفة والنظرية، ولا حتى قدرات سياسية فكرية عميقة في تحليله للظواهر المحلية والعالمية، فعاش في شرنقته المحدودة، مع انه عاش تجربة سياسية وتنظيمية طويلة منذ انخراطه في عام 1964 بحركة القوميين العرب، فقد نظمه وادخله لتنظيم الحركة اخي محمد عبدالملك. منذ تلك اللحظة ظل يهيم في ملكوت السياسة ردحا من الزمن، وقد سكنت في دمه السياسة فعاد نشطا لها مع المشروع الاصلاحي وولادة الجمعيات السياسية، فكان من الطبيعي ان يلتحق بجمعية وعد حتى آخر رمق من حياته، باعتبار وعد هي استكمال مستمر لتلك التنظيمات القومية التي انخرط فيها سالم حتى آخرها كالجبهة الشعبية. تحلى في العمل السياسي بخاصية مهمة هو حيويته وقدرته على التغلغل اليومي بين الناس في الحي والنادي والمدرسة، لما يمتلكه من روح بسيطة وظرف اجتماعي وروح النكتة. فكان الاخ سالم طاقة عملية وشعبية ومنظم جماهيري ومشاغب سياسي منذ فترة شبابه الاولى في ساحة المدرسة والحي. ومع تلك الحيوية الانسانية والسياسية برز بين مجموعته، فكان في كل الضربات التنظيمية يبادر في لمّ شمل الحلقات المتقطعة والافراد ليعيد تنظيمهم وربطهم بهدف استمرارية العمل مهما كانت مخترقة او قابلة للاختراق. هذا الحب الوطني الجارف للعمل السياسي، كان مقتل سالم المستمر في تلك النكبات والانكسارات التي لست الان بصددها، غير أن للتاريخ والحقيقة وهذا ما يحاول طمسه الاخرون، أن سالم لم يكن راضيا ومقتنعا بمسألة الدوار عام 2011، وكانت له رؤية مختلفة معاكسة لجمعيته «وعد» وهذا ما اخبرني عنه صديق عمره وطفولته حتى لحظة الرحيل. مات «السلم»، الاستاذ سالم، مع حلم لم يكتمل ومشروع تم اجهاضه، ولكنه ترك ذاكرة انسانية وثقافية طيبة ستظل في البوم الاطفال وزملاء المدرسة ونادي مدينة عيسى واصدقاء العمر. لهذا حين نمارس انسانيتنا ببساطة في الحب والتقدير نحو الاصدقاء ينبري محبو «التكسب السياسي» بخطاب التمجيد والتضخيم والمبالغة تدعو اقل ما يمكن قوله للسخرية والتعجب وهذا ما لا ينبغي فعله احتراما للموتى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها