النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

لحظات لا تنسى..

ألم الغياب.. وسكنى البيوت بلا أبواب أو نوافذ!

رابط مختصر
العدد 10620 الإثنين 7 مايو 2018 الموافق 21 شعبان 1439

لحظة الغياب..
جلس معنا، لم يستكمل حتى قائمة جمل المجاملة عند التعرف عليه. فجأة غاب الغيبة التي لم نره بعدها. قصة الموت البسيط المعتاد السخيف اللعين، الغشاش الذي يدركنا في لحظة الاعتقاد بأننا موجودون ملء الحياة بطولها وعرضها.
وغاب وهو هارب يجري فارا من العقود التعيسة. ذاك الأحد. أمسكني ألم الغياب. هذا الرجل «الكبير» يقضي فجأة اسما مفرداه معلول الأول والآخر. مشتعلا بنار قلبه الموجوع. «سكتة» واحدة أراحته ذات ليل بارد من خطوات الطريق الطويل.
نجم كالح هوى، توارى من دون ضجيج. لا أحد يسأل. هوية ملقاة في ثلاجة قصية. رقما مجرد رقم. لا أحد يسأل. لا أهل. لا صديق ولا وطن. مضى بعيدا مارا كالنيزك المفرد. خيالات أكلته وأحلام بقلم الرصاص ووليمة لم تكتمل.
مضى عطشانا في عالم مظلم. مليء بالدجل والتزوير والأكاذيب والتزلف والأمجاد المستعارة. مضى دون أن يعثر على النبع الصافي الذي أمضى ردحا من حياته باحثا عنه، إلى أن وجد «هجعته» الأخيرة. في تلك الثلاجة المحقرة للإنسان.
- أهكذا ينتهي القلب الذكي مفازة قفراء حتى من خفوق سراب؟!!
يوم الأحد. جملة فعلية واحدة اختصرت المسافة بين نقطتي البداية والنهاية: لقد مضى. مجهولا كما بدأ. كما كان. وحيدا. لم كان يبحث عن بوابة البحر الأخيرة فلا يجدها. كان يركض. وبأظافره ينبش بحثا عن اللحظة الهاربة نهارا. ويرجع كل ليلة خائبا، يذكر بسيزيف الذي يحمل الصخرة قدرا. ولكنه لا يستسلم إلى لعبته المحتومة.
مثقل الجفون مضى. جسدا لم يستنفد شهوته الأخيرة. غريبا يتأبط قدره المحتوم. ويبحث عن قبلة أوجاع أخيرة، مضى عقودا من الخيبات العربية، وخواتيم أحزان. جرى فارا من لحظتيه الأولى والأخيرة. يرميه الميناء إلى الميناء. حقيبة سوداء تبحث عن هجعة أخيرة.
سألني في تلك الحظة الأولى والأخيرة: أي شروح القرآن تفضل؟ قلت: شرح الزمخشري، قال: وإذن فأنت معتزلي؟ قلت: تقريبا، قال: إذن سيكون لنا حوار. ومضى من تلك اللحظة، حوارا بدأ ولم ينته، اختفى تبخر في الهواء. هكذا تذهب الأشياء والأماني والوعود وتتبخر في خارطة قبلية.
قضى. قلما واقفا ومشروع كتاب لم ينته. وحوار لم يبدا. سقط وحيدا مجهولا.. لم يشفع له الكتاب ولا لائحة الأماني ولا خارطة الأحلام، ولا تاريخ الموانئ التي عبرها من الشرق إلى الغرب. هكذا هي اللحظات العابرة الغادرة في زمن ينفلت من بين أيدينا كرمال الصحراء.
لحظة سكنى البيوت..
رائع أن نسكن البيوت وأن تكون للبيوت نوافذ وأبواب وحدائق، ولكن ما فائدة أن تكون البيوت من دون سكان، وألا تكون النوافذ مفتوحة على الحياة، أو كنا لا نفتحها أصلا، أو لا نعرف اتجاهها أو ما خلفها من صور في الحياة!!.
ما الفائدة من النوافذ، إذا ما كنا لا نفتح النوافذ على الأفق البعيد والقريب، وأن نصحب السحب العابرة هناك بعيدا؟
رائع أن يكون للبيوت أبواب جميلة مصقولة مزينة، ولكن ما قيمة هذه الأبواب إن كنا لا ندخل منها ولا نخرج؟ وإذا كانت الأبواب لا تفضي إلى الداخل او إلى الخارج؟
رائع أن نحيا، رائع أن نبقى، رائع لو نبقى كأبراج قديمة لا يفل فيها الريح ولا موجات القر والحر؟ ولكن ما قيمة البقاء إذا كان بلا معنى!؟
رائع لو نرتاح في النهاية، لو تتجمد هذه الأنهار الوهمية الخالية من المياه، والتي نراها وترانا، فلا نراها ولا ترانا!
رائع أن يتناغم الأشجار مع الفصول، وأن يتلون الحقل بألوان الحياة، وتتلاحن الطير كل صباح ومساء، ونحن بين الوجود واللا– وجود، نبحث عن طريق فلا نعثر عن أنفسنا الضائعة في الطريق.
في الحناجر شعلة السؤال مازالت تقلقني، تحفر الأخاديد في الفكرة وفي اللحظة المنفلتة فلا أقبض على اللحظة!!...

لحظة الصبر..
درجت في طفولتي على مصاحبة الحمار، حتى أصبح بيني وبينه الفة ومحبة، كنت أسميه (الصبور) فأشعر بان الطرب يهزه بهذا النداء، فيهز رأسه معلنا قبول الاسم والتعبير عن السرور الناشئ عن الألفة.
كان بيني وبينه ما يشبه الحب والالفة، حتى أن جدي رحمه الله كان دائم التعليق على هذه العلاقة الحميمة بقوله (الطيور على أشكالها تقع)..
والحقيقة أنني كنت أجده كائنا لطيفا مطيعا صبورا، وأرفض أن يوصف بالغباء وعدم الفهم، لأنه لا أحد كان قادرا على أن يقدم لي دليلا واحدا يبرر هذا الظلم الذي يلحق بالحمار، ولا تلك الحملات الدعائية المعادية له. فكل ما يقال مجرد انطباع سطحي ينم عن جهل بفاضل هذا الكائن. فالتجربة البشرية بينت عبر التاريخ ان الحمار كائن لا يفتقر إلى الذكاء الغريزي، بل انه قابل للتعلم ويتسم سلوكه بالانضباط والطاعة، ويكفي انه يوصف كدليل في الطرقات الوعرة، والتي إذا مشى فيها مرة واحدة، حفظها ورسم خارطتها في دماغه الموسوم بالغباء. كما أنه يتمتع بالقدرة على التحمل، ويستعمل حدسه الطبيعي للبقاء، فمن الصعب عليه فعل شيء ضد رغبته، ما يؤكد انه ليس جبانا كما يعتقد البعض. والدراسات العلمية القليلة حوله، تظهره ذكيا، حذرا، حميميا، يمتلك قدرة عجيبة على التعلم. ومن أعاجيب هذا الكائن اللطيف في الانضباط والأدب والالتزام بالقواعد العامة، أنه إذا ما تعود على الإشارة الضوئية، يحترمها تماما.
ومن أعاجيب العالم الحديث أن -تطبق مدينة (بلاكبول شمال غربي إنجلترا) قواعد صارمة للحفاظ على حقوق الحمير واحترامها، منها على سبيل المثال ألا تتجاوز أيام عمل الحمار ستة أيام في الأسبوع، ما بين العاشرة صباحا وحتى السابعة مساء تتخللها ساعة راحة يوميا لتناول وجبة الغداء، علاوة على إجراء اختبارات صحية إلزامية قبل بدء موسم الصيف. ولله في خلقه شؤون..

همس
في برج الصدى،
الصوت يأتي لماما.
والروح تعبر لحظة الاحتمال،
ولليمامة طريق عند الإياب،
وللبحر عطر يعانق أمواجه،
وللزمن الراحل فينا رمق أخير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها