النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

الدكتور الأنصاري في الذاكرة الجمعية

رابط مختصر
العدد 10618 السبت 5 مايو 2018 الموافق 19 شعبان 1439

التقيت لأول مرة بالدكتور محمد جابر الأنصاري في الستينات من القرن الماضي، حين كان قادما من بيروت بعد أن أنهى دراسته في الجامعة الأمريكية. آنذاك كانت تتشكل بواكير النهضة الثقافية الجديدة في البحرين تماما في اللحظة التي كان يتشكل الأدب الحداثي في أقطار المركز العربية في القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق. وكان الدكتور الأنصاري على موعد مع الثقافة والحداثة؛ أبان اليقظة المبكرة والكبيرة للفكر الوطني المستنير في البحرين، والنهوض القومي في الوطن العربي. كان الكتّاب الجدد من مجايليننا الشعراء والقصاصون على اتفاق للانخراط في الهم الأدبي البكر. وجاء الدكتور الأنصاري وهو في غاية الحماس والتوقد ليقود الحملة الأدبية والثقافية في بواكيرها. بدأ أولا بلم شمل الأدباء الجدد فعقد لهم إجتماعا في بيته. كان هو أكثرنا خبرة بالثقافة والأدب بحكم تخصصه وأسبقيته في العمر، فتولى الريادة وقيادة دفة السفينة التي على وشك أن تبحر الى شواطئ القصيدة الحديثة والكتابة القصصية. واختيربعد ذلك كأول رئيس لأسرة الأدباء والكتاب، كان ذلك في العام 1969. أدباء الستينات وعلى رأسهم الأنصاري كانوا يهيؤون البداية الأولى للتحديث الثقافي في البلاد. في تلك الليلة التي اجتمعنا فيها عرض الأنصاري فكرة تأسيس كيان أدبي يلم شمل الأدباء الجدد، وينظم عطاءهم وابداعهم، فكان هذا الاجتماع هو البداية الفعلية التي كرست نهجا منظما لحركة الثقافة والأدب المحلي. وأذكر أن الأنصاري عند أول قدومه من بيروت التفت أولا الى رواد الأدب والثقافة في البحرين من الأجيال السابقة لنا؛ فكتب عنها مبرزا دورها الريادي. ثم التفت الى الأدباء الشباب فكتب عنهم كاشفا عن مواهبهم دافعا لهم للاستمرار في هذا الدرب الشاق والطويل. كان الأدباء الشباب في أمس الحاجة آنذاك للتشجيع والمعاضدة فهم في أول الخطوة التي تقود الى ألف ميل وفي أول درجات السلم؛ فكان للأنصاري أن يقوم بهذا الدور الطليعي؛ فكان هو الناقد الأبرز للأدب المحلي الحديث في طوره الأول؛ وكان في غاية الحماس للأقلام الجديدة التي بالكاد تخطو خطواتها الأولى في الأدب، في وقت هزأ فيه البعض من مجايليه بهؤلاء الشباب معتبرينهم دخلاء على الأدب. لكنه كان يخالفهم الرأي؛ ويهجس بحاسته النقدية وإلمامه بالأدب، أن هؤلاء الشباب الذين كتبوا بعض القصائد والقصص في الصحف المحلية، سيرسمون خارطة الأدب البحريني الحديث؛ فهذه الأسماء هي التي تشكل الْيَوْمَ خارطة أبرز أدبائنا في الوقت الراهن. لم يكل الأنصاري بعد ذلك زهاء نصف قرن من العطاء في الكتابة، وعلى جبهات مختلفة منها. خاض في الأدب المحلي والعربي فأبلى فيهما بنصيب وافر، وخاض بعد ذلك في الفكر والثقافة فترك أسفارًا ومؤلفات ملفتة. في مرحلته الثانية انتقل الأنصاري الى فضاء الفكر العربي الأوسع فأشبعه درسا وتحليلا، وفيها تجلى نهجه القومي العربي ونزوعه نحو التقدم والإصلاح حتى أصبح الأنصاري وجها بارزا للثقافة البحرينية، وكان خير ممثل لها في محافل ومؤتمرات ومنتديات الفكر العربي. ومن محاسن الأنصاري الملفتة أنه أخلص للكتابة وأعطاها من وقته وجهده الكثير، وفضلها على المناصب وان كانت رفيعة، فضرب بذلك مثلا للمبدعين في الاخلاص والوفاء للأدب والثقافة. وكان طوال مشواره الأدبي والفكري هو ذلك المثقف المشغول بأحزان الأمة وانكساراتها باحثا ودارسا سبل نهضتها. وكانت هواجس التطوير والتقدم الوطني والعربي بارزة في مؤلفاته ومقالاته على حد سواء. ويكفي الأنصاري امتيازا أنه ترفع عن المناصب، مفضلا مجد الكتابة فدخلها من أوسع أبوابها مقتفيا أثر الشاعر أبو تمام الذي رأى أن مجد الكتابة لا يلتقي مع التفكير في جمع المال؛ يقول أبو تمام في بيته الشعري: فلم يجتمع شرق وغرب لقاصد /‏ ولا المجد في كف إمرئ والدراهم؛ وقد اختار الأنصاري مجد الكتابة تاركا الدراهم لغيره من المثقفين وهم كثيرون. على المستوى الإبداعي يكتب الانصاري بلغة غنية خصبة سلسة، وهي نفس اللغة التي أبرزت كتّابا كبارا مثل طه حسين والعقاد والرواد الأوائل للثقافة العربية. كانت اللغة الأدبية حاضرة عند الأنصاري حتى في كتاباته السياسية. وعلى امتداد عقود طويلة لم يبخل الأديب والمفكر الأنصاري بكتابة مقالات منتظمة غنية يعالج فيها قضايا الوطن والأمة العربية، باحثا عن قنوات جديدة تضيء طريق النهضة العربية والتقدم. كان الأنصاري ولا يزال عروبيا حتى النخاع، ووطنيا غيورا عَلى مستقبل بلاده. بذلك لن ننسى في هذه العجالة أن نضيف أنه ساهم بفكره المستنير في الاصلاح الذي وضع بلادنا على السكة الصحيحة للنهج الديمقراطي. وقد أعجب الأنصاري بالمكانة التي أحرزتها اليابان التي بزّت الدول الغربية وأمريكا في الصناعة والتكنولوجيا والعلوم فقدمها للعرب انموذجا راقيا وناجحا للتطوير والمزج بين التراث والحداثة. افتقدت كثيرا كتابات الأنصاري المنتظمة الملفتة التي كان يتحفنا بها عبر سنوات طويلة في الصحف المحلية. افتقدت مع غيري مقالاته الرفيعة ذات المصداقية العالية، والتي كان يقرأها ويتابعها الكثيرون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها