النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الوطن والطائفية لا يلتقيان... الشجاعة المطلوبة من أجل الوصول إلى حل

رابط مختصر
العدد 10613 الإثنين 30 ابريل 2018 الموافق 14 شعبان 1439

لم تكن البحرين ولا نظامها السياسي في يوم من الأيام، دولة دموية عنيفة، بل كانت دائما دولة رحيمة، هادئة يقوها الصبر والتبصر، بالرغم مما تعرضت إليه من تعدٍّ وتآمر مشهودين. ولذلك لم يكن غريباً ولا مفاجئاً، أن يصدر عن جلالة الملك، ذلك القرار بإلغاء أحكام الإعدام عن المتهمين بالتخطيط لاغتيال المشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة القائد العام لقوة دفاع البحرين، والنزول بها إلى عقوبة السجن. ولم يكن غريباً أيضاً، أن يتنازل المشير نفسه -وهو المستهدف بالجريمة والعدوان- عن حقه المشروع، تعبيراً عن أصالة وشهامة معلومتين.

 وقد كان لافتاً في هذا السياق ما جاء في البيان المقتضب الصادر عن عدد من علماء الدين، بشأن تفضل جلالة الملك المفدى، بإصدار قرار «إلغاء أحكام الإعدام». ومع التقدير الواجب للعلماء، فإن بيانهم المقتضب قد تغافل عن حكمة جلالة الملك حفظه الله، وعن دوره الكبير في تخفيف العقوبة، فورد «الشكر والتثمين» خجولين باهتين، لا يشير أصلاً حتى إلى مستحق الشكر بالاسم (وهو أمر غريب مستغرب). كما لا يشير الى دور المشير في العفو ولا يتطرق إلى شخصيته الإنسانية الفذة، وهو المستهدف من تلك المؤامرة. كما جاءت المطالبة بالإفراج (هكذا) عن جميع المحكومين -حتى الذين ارتكبوا جرائم قتل واعتداء على الناس- دعوة مجانية عامة لا يقابلها ما يجب أن يكون من فعل أو موقف يمهد إلى ذلك. 

ولعل خلو البيان المشار إليه من أي توجيه بالنصح والإرشاد للشباب المغرر به، وعدم الإشارة الى خطورة ما اقترفوه من جرائم في حق الوطن والناس، بل وفي حق أنفسهم، تجاوز على الواقع والحق والقانون. كما أن خلو البيان من أية إشارة إلى سبب الداء، وأساس البلاء الذي مس البحرين وأهلها، وهو الدور الإيراني في التحريض والتمويل والتدريب والتهريب، وإثارة النعرات والفوضى، قد جانبه الصواب. وكان من الممكن أن يعتبر البيان إيجابياً لو انه - فضلاً عن تثمين قرار جلالة الملك المفدى، وتنازل المشير وعفوه - لو أنه اقترن بالإدانة والانكار لكل من حرض وموّل وغرّر بالشباب، ولو أنه اقترن بالنصح والإرشاد والدعوة إلى رفض العنف والإرهاب والتنديد بهما، والدعوة إلى الحوار. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث للأسف الشديد. فالتوازن في القول والفعل، والصراحة مع الجمهور -حتى وإن غضب منا- خاصة بالنسبة لمن كنت له مكانة علمية وتأثير على هذا الجمهور، هو قمة النصح..

إن عمليّة الإصلاح التي بدأت طلائعها السياسية مع بداية الألفية الثالثة وقادها جلالة الملك، تتميز بكونها تقوم على أساس بناء التوازنات في مجتمع متعدد، لا تستقيم فيه الأمور إلا في سياق التوافق الوطني بين الأطراف الاجتماعية - السياسية، بما يحقق القدر المشترك من الأولويات ضمن رؤية وطنية توافقية، تقوم على التدرج في بناء التنمية السياسية، بما يضمن عدم تحول التجربة الديمقراطية الوليدة إلى حالة من الفوضى. ولذلك كان التصويت على ميثاق العمل الوطني بما يشبه الاجماع، ضمانة واضحة وأكيدة على توافر هذا الاجماع الوطني الواسع. ما جعل المشروع أحد مصادر الاستقرار السياسي والاجتماعي، بما ساعد على الانقطاع للعمل التنموي المفيد. ولذلك كان التطور الذي أحدثه المشروع تغييراً هادئاً متبصّراً، بما أثبته من قدرة على إدخال الإصلاحات وفق جدول زمني تصاعدي يراعي الخصوصيات الوطنية، وطاقة احتمال الواقع، وضمان أوفر حظوظ النّجاح للخطوات المنجزة. 

لقد اختار المشروع إرساء مشروع مجتمعي يحتضن الجميع ويشارك فيه الجميع، يقوم على التّسامح والتّضامن والعدل والحرية والحوار وصولا إلى تحقيق الدّيمقراطية وضمان حقوق الإنسان. إلا أن التحدي الذي واجه هذا المشروع، يتمثل في أن التعددية السياسية المكرسة حزبياً، لم تكن في الواقع حصناً منيعاً - مثلما كان يفترض بها أن تكون - لتحول دون توظيفها للإساءة للدولة ولمنجزاتها، أو للإساءة للوحدة الوطنية وثوابتها. بل لم تكن حصناً حقيقياً لمواجهة الطائفية، ولم تسع حقيقة إلى تكريس مدنية الدولة وعلوية القانون. بل كانت في عدد من الحالات، تصنع للكيان الحزبي كياناً فوقياً من خارجه. كما لم تكن قادرة على الفصل الواضح والصريح بين الفضاء المدني والفضاء الديني والطائفي. فكرست الطائفية وتسببت في اضطراب الحياة السياسية والاجتماعية، ما قاد إلى انشار الفوضى والتعدي. والأخطر من ذلك أنها تسببت في خلق حالة من التشنج والانقسام الحاد سياسياً وطائفياً. 

وبدلاً من تحصين التكوين المتنوع للمجتمع وتبصير الشباب، بمفهوم المواطنة الذي يتلازم مع تعميق مفهوم الحرية والمسؤولية، اللتين لا مناص منهما لأي مجتمع، تم تحريض هذا الشباب والزج به في متاهات العنف والفوضى.

وفي الوقت الذي كان المشروع الإصلاحي يؤكد على ضرورة التمسّك بمجتمع عادل ومنسجم يجد فيه الجميع مكاناً، كان العمل الحزبي في مجمله يتجه في الغالب، إلى حالة من الازدواجية الغريبة بين الدعوة الشعاراتية الى الحرية والديمقراطية والعدالة ومدنية الدولة، وبين التكريس العملي لكل ما هو مناقض لذلك في الواقع.

وفي الوقت الذي كان المشروع الإصلاحي يدعو إلى الحفاظ على التوازن بين احترام إرادة الأغلبية السياسية بمكوناتها الرئيسة، وحماية حقوق الأقليات وسائر مكونات المجتمع، مع الاستعداد الدائم لتطوير النظام الانتخابي عبر القنوات الدستورية، يحمي التعددية ويغنيها، ويوفر فرصة منصفة للتنافس، ويشكل حافزاً لتطوير النظام السياسي، عمل البعض على التشويش على هذا التمشي التدريجي، من خلال التشكيك والاستعجال والتحريض.

لقد بينت الأحداث والتجربة العملية على الأرض أن المشروع الإصلاحي البحريني ليس -مثلما يزعم البعض- مجرد معالجة مؤقتة وعرضية لحالة الاحتقان التي فرضتها ملابسات أحداث التسعينات وتعقيداتها، بل جاء كخيار حر وواعٍ لمتطلبات السير مع حركة التاريخ، بما جعل هذا المشروع عملية ديناميكية لا تتوقف عند الظرف الذي واكب لحظة اطلاقه. ولذلك كان ما يزال قوة الدفع الرئيسية نحو تعزيز التقدم والانفتاح والديمقراطية، والتحول بالمجتمع البحريني الى مجتمع ديمقراطي، ولو بشكل تدريجي.

إن حل ذيول الأزمة يبدأ من البحث خارج منطق الخطاب الطائفي، بالتعلق ببنية الخطاب العقلاني الوطني، المضاد للطائفية شكلاً ومضموناً، لأن المنطق الطائفي يقوم على مبدأ أساسي: وهو الهيمنة والالغاء والحلول محل الوطن واحتوائه، وإضفاء صفاته وخصائصه وولاءاته عليه. وإن الشّجاعة هي المدخل الثاني للحل، فهي التي تحوّل الإدراك العميق بالمصلحة العليا للوطن إلى تحرّك فاعل يترجمه الإقدام على تحمّل المسؤولية، وإقرار منهج الحوار السياسي الصادق، لطي ملف الأحداث المؤلمة، والوصول إلى معالجة شاملة وقابلة للاستمرار، وإيقاف حالة الاستنزاف المتواصل للمقدرات الوطنية، وتحمل تبعات هذا الحل، وما يقتضيه من مواقف وقرارات. 

هذه الشّجاعة تقتضي بداية التعبير عن المواقف التي تؤدي إلى تصحيح المسار، وتحقيق الاستقرار، كقاعدة أساسية غير قابلة للمزايدة أو المساومة، تمهيداً لاستئناف الحوارات الوطنية، بما يساعد على إيجاد مخرج من حالة الاحتقان والاستنزاف. والشّجاعة، بعد ذلك وقبله، تتمثل في رفض العنف وإدانة الإرهاب والتدخل الخارجي، والتمسّك بالمقاربة الوطنية التي تأخذ بخصوصيات الوطن وتضع مصلحة البلاد فوق كلّ اعتبار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها