النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

الديمقراطيـــة قبـــل الميـــلاد (2)

رابط مختصر
العدد 10611 السبت 28 ابريل 2018 الموافق 12 شعبان 1439

في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد أشاد بركليس رجل الدولة بتفوق النظام الديمقراطي على الأنظمة الأخرى التي جربها قدماء الإغريق، فهم مثل كل الشعوب عرفوا نظام حكم الرجل الواحد الذي تجرفه السلطة المطلقة الى الإستبداد، والتفرد بالقرار وتهميش الجماعة، وإدخال المجتمع المتنافر الذي تتعارض مصالحه في حروب وكوارث، وتقود الى منع الحريات وتكريس الخلافات الطبقية.

الديمقراطية في بلاد الإغريق عرفت وسائل وأشكال متعددة. كان الذكور في أثينا يملكون حق التصويت على القرارات العامة التي تتم مناقشتها بحرية تامة، كما يتم قبولها أو رفضها. وكانوا يعقدون اجتماعاتهم في الساحات العامة. التفوق الديمقراطي حسب بركليس رجل الدولة الحكيم يأتى من الحرية الممنوحة للمواطنين، والمساواة بينهم. ولم يجهل قدماء الإغريق أهمية الحرية الشخصية للأفراد التي توليها الديمقراطية الحديثة اهتمامًا كبيرًا، فالمجتمع يتكون من أفراد وحرية الأفراد تعني حرية المجتمع. كانت القوانين في المنظور الإغريقي تحترم الحياة الخاصة، وتوازنها مع الحياة العامة دون أن تذوب الواحدة في الأخرى. في المناخ الديمقراطي ازدهرت الثقافة في أثينا، وإنتشر النقاش الحر، والإبداع والفنون، واحترام الأجناس الأخرى والغرباء، فالتربية الديمقراطية تنمي الروح الإنسانية ونزعة التسامح، واحترام الآخر، وكل هذه القيم هي من سمات المجتمعات الديمقراطية الحديثة.

كان هناك في أثينا مجلس مكون من 500 نائب يتم إنتخابهم في اجتماع شعبي في الساحات العامة، وهذا التجمع يعتبر هو المرجع الأعلى للسلطة. لم تخلُ الديمقراطية في اليونان القديمة من مثالب، فهي تجربة كانت مبكرة لم تسبقها تجارب أخرى، وكانت للفترة الزمنية خصوصياتها، فالمجتمع كان مقسمًا بين عبيد وأحرار، وما كان يحق للعبيد حق التصويت، كما حرموا من الحقوق السياسية والاجتماعية، كما أن الفلاسفة على وجه الخصوص كانوا غير مقتنعين بهذا النمط من الديمقراطية، وكانوا يسمونها ديمقراطية الغوغاء، وهم فضلوا أن تكون السلطة بيد أشخاص فضلاء فهم الأكفأ، وكان أفلاطون في جمهوريته يرى أن الفلاسفة هم الأكثر صلاحية للسلطة، فهم الحكماء ذوي العقل الراجح، لكن هذا الشكل من الديمقراطية الذي يفضله الفلاسفة، كان أيضًا يعارض وضع السلطة في يد رجل واحد، وهذا يتفق مع رأي أرسطو الذي يرى أن من الأفضل أن يحكم المجتمع مجموعة من الرجال الفضلاء، من أن يحكمهم فاضل واحد.

بشكل عام نرى أن القناعة بالنهج الديمقراطي قد ترسخت عند قدماء الإغريق خاصة في أثينا، لكنهم إختلفوا في التفاصيل. كما اعتقدوا بشكل جازم بأهمية الديمقراطية للازدهار العام والوفاق الإجتماعي، وتوقف الصراع بين الشعب والأرستقراطية والذي كان منتشرًا في ذلك الوقت وأدى الي اثارة الضغائن والفتن بين الطبقات. في العصر الحديث أكدت التجارب في الدول المتقدمة فاعلية الديمقراطية في خلق الإزدهار والرخاء الذي يعم خيره الجميع، كما لا حظوا حلول السلام الإجتماعي بين الفقراء والأغنياء.

وأعتقد مثل كثيرين أن إستتباب السلام الإجتماعي في المجتمعات الغربية الحديثة راجع في الأغلب الي النهج الديمقراطي. كما تنبه الإغريق القدماء الى دولة القانون الذي يتساوى فيه الناس، يقول أرسطو: (السلطة تنبع من الجماعة وليس من الحاكم، وخير الحكومات هي الحكومة التي يسود فيها القانون). المجتمعات الديمقراطية تولي إهتماما كبيرا للقانون فهو عنوان العدالة والمساواة. وفي الحديث عن الفكر الديمقراطي القديم لا بد من ذكر الحكيم صولون الذي برز كقائد ومشرع في الفترة (560-460) قبل الميلاد.

كان أديبا وشاعرا وحاكما محبوبا نال شعبية واسعة لأخلاقه ونبله، فقد رفض الإستبداد والتفرد في السلطة، وقام بإصلاحات دستورية في العام 494 قبل الميلاد ضمنها حق المواطن للوصول الى مجلس المدينة والإشتراك في الحكومة، كما اشتهر من بعده الحاكم بركليس (490-429) قبل الميلاد الذي سمح بحرية الرأي والنقد، وكانت تعرض في وقته مسرحيات تنتقد السلطة، وكان يقول: (لا تتحقق الديمقراطية إلا بوجود الجماعة على رأس السلطة. وقال أيضا (إن حرية الجميع هي أقوى روابط القلوب، حيث يتشارك الناس في الآمال والآلام ويحكمون أنفسهم بقلوب حرة، يكرمون الخيرين ويعاقبون الآثمين وفق القانون). وقد اعتبر أن (القانون سلطان والعقل معلم).

وكما ساهم بعض الحكام في تكريس الديمقراطية القديمة، ساهم بعض الأمراء في عصر النهضة بإيطاليا في الحركة الإنسانية بمعية المفكرين والأدباء والفنانين، الذين توجهوا الى إحياء الأفكار التقدمية في التراث الإغريقي القديم. أختم المقالة بما قاله الحكيم والحاكم صولون في كتابه الذي لخص فيه أفكاره: (إن خبث البشر، وروح الفوضى عندهم، وتعطشهم النهم الى الثراء هي التي تخلق بصورة طبيعية الخلل الناجم عن عملية بوسعنا تبيان كل مرحلة من مراحلها بشكل مسبق، فالجور يخلق استعباد الشعب الذي يرد عليه بالفتنة، والإجراء الصحيح لإعادة النظام والتوازن يجب أن يكسر عنجهية الأغنياء وينهي استعباد الشعب، دون الإستسلام مع ذلك الى التخريب).

دروس كثيرة نستقيها من حكماء اليونان القدماء وحكامها في بحثنا الدائم عن الإستقرار والإزدهار في ظل عدالة إجتماعية تنصف الجميع وترضيهم، وبدل الصراع الطبقي في هذه الحالة سيحل الوفاق الطبقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها