النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

«متعة الفرجة على الدراما»..

المسألة السورية في مرمى لعبة الأمم

رابط مختصر
العدد 10608 الأربعاء 25 ابريل 2018 الموافق 9 شعبان 1439

عندما نتأمل حال العالم العربي المريض الغارق في النكبات، وكيف يتعرض إلى التدمير المنهجي، بلداً فبلدا، وفي توقيتات مدروسة، بدءًا من فلسطين التي أكلت وتتآكل، ومرورًا بليبيا والعراق، ووصولاً إلى سوريا، وغيرها في الطريق، نشعر بأن الأمر قد تحول إلى وضع غرائبي غير مسبوق في تاريخ الشعوب والأمم.

المؤلم هنا، ليس هذا فقط، وإنما اكتفاء العرب في أحسن الأحوال بالفرجة على ما يحدث، بل وحتى تسليم بعضهم بعضاً للعدو الخارجي، ولأسباب وتعلات لا تستقيم بمنطق التاريخ. والمؤلم أكثر أن تتحدث بعض النخب العربية عما يحل بالوطن العربي وبلدانه من تدمير منهجي بلغة خشية فئوية مغرقة في الضحالة. ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإن هذه الببغاوات لا تفعل شيئاً سوى وصلنا بمصادرها التي أوحت إليها (بالفكرة) الفذة، ولذلك لم يكن غريباً أن تشهد الساحة بعض الكتابات والتصريحات التي تحاول أن تصنف نفسها على أنها (فكر) وهي اقرب إلى الشطحات «التهريجية» المدهشة في تخريجاتها وتحليلاتها، وهي شطحات فلكلورية تطفو على السطح فجأة في بعض المناسبات أو على هامش بعض الأحداث الجسام، تحت مسمى (مفكر استراتيجي - محلل سياسي - الخبير العسكري..)...

ومثال ذلك تلك الكتابات التي حبرها بعض الطامحين إلى الارتقاء إلى درجة (مفكر) من دون أن تكون لديهم حتى الأمانة الفكرية لنقل الحقائق كما هي، أو توصيف الأحداث بمسمياتها الأصلية، وإنما العمل على حرف الفكر عن تلك الحقائق الساطعة، ومن بينها ان الوطن العربي يتعرض إلى هجمة استعمارية جديدة، وأن ما تشهده عدد من البلدان العربية هو جزء من كل من هذا التآمر الذي نتحمل نحن الجزء الأكبر من مسؤوليته، بسبب سلبيتنا أو ضعفنا أو حتى تآمرنا ضد أنفسنا. 

هذه الفئة من خلق الله تمارس كل ضروب التزوير الفكري من خلال التستر وراء الاستعارات والكنايات لتمرير أشباه (أفكار) عقيمة ومريضة، بعيدة عن الفكر الفاحص، ولا غرابة في ذلك لأنهم أعلنوا صراحة أنهم ليس في حاجة إلى الفكر الناقد الواعي، ولأنهم أعلنوا صراحة أنهم ليسوا في حاجة إلى الفكر أصلاً، فقد (أنجزوا مهمات النهضة الأساسية وتحولوا إلى كائنات خارقة مبدعة ومتعالية)، تمارس الدجل وضرب الودع وقراءة الكف...

جرني إلى هذه المقدمة الطويلة ما نتابعه يومياً من تحليلات حول الأوضاع المحزنة في سوريا، وهي في الكثير من الأحيان تحليلات تتموقع أيديولوجيا وطائفياً، مما يوقعها في الغالب الأعم في ترك الموضوع الرئيس والخطر الرئيسي والالتفات إلى الظواهر أو الجزئيات التي لا يعتد بها في أي تحليل.

فرغم الألم الذي يعيشه السوريون في ظل قسوة غير مسبوقة من النظام السياسي وعجزه عن إيجاد مخرج سلمي سياسي للأزمة التي طالت وأكلت آلاف الضحايا، فإنه من الواضح أن هنالك قراراً بترك الحبل على الغارب في هذا البلد حتى يتم تدميره تدميراً منهجياً بشكل كامل. بدءًا بتهشيم بنيان الدولة السورية ووحدة أراضيها. ومروراً بتدمير البنية الاجتماعية الإنسانية - الاقتصادية، ووصولاً إلى التفكيك الجغرافي على النمط الذي أنجزه الأمريكان في 2003م في العراق بالتعاون مع الإيرانيين بتكلفة بشرية وعسكرية ومالية ضخمة.

واستخلاصاً من الدرس العراقي الذي كلف الخزينة الأمريكية مئات المليارات، وأكثر من 5 آلاف قتيل، فإن المطلوب هذه المرة هو إنجاز نفس المستوى من التدمير (وربما أكثر وأوسع مجالاً) من دون تكلفة بشرية أو مالية كبيرة على حساب الخزينة الأمريكية، إلا من لحم الشعب السوري، ومن مقدراته ومن وحدته وأرضه واستقلاله.

ومن مظاهر هذه الإرادة الإبقاء على حالة «تبادل التدمير» بين أطراف النزاع داخل سوريا (المعارضات والجماعات المسلحة التي تريد إسقاط النظام، والنظام السياسي وحلفاؤه المتمسكين ببقاء النظام إلى آخر رمق حتى وان أدى ذلك الى تدمير البلاد وتقطيع أوصالها)، وتهدف هذه الآلية الحالية إلى أن لا يكون هنالك منهزم أو منتصر على المدى الفوري (لأن الانتصار أو الهزيمة لأحد الطرفين يعني اختصار الخسائر السورية وتقليل مدى ومجال التدخل الخارجي). بما يمدد في حالة التدمير والتآكل وبناء شبكات الحقد المتبادل والانتقام وتعزيز الطائفية، ليس على صعيد القطر السوري فحسب، بل على صعيد المنطقة أيضاً. وذلك من خلال استمرار الفرجة السياسية على ما يحدث دون إرادة دولية للمساعدة على إيجاد حل حقيقي وسريع لهذه الأزمة. ومن ذلك أيضاً الحرص على استكمال دائرة التدمير البنيوي للإنسان السوري، من خلال تشكيكه في الثوابت المرتبطة بهويته العربية، وإدخاله على خط التناحر الطائفي والاثني على النمط الذي تم إحياؤه في العراق أيام بريمر، وما بعده.

إلا أنه من المهم القول إن سوريا المقسمة طائفياً وقومياً والمثقلة بسلاح الفوضى، هي بكل تأكيد، أسوأ على الجميع من سوريا الموحدة تحت سلطة البعث أو تحت سلطة الجيش حتى، فالتفكيك والتقسيم لن يساهما مطلقاً في تأمين الاستقرار الذي يتحدث عنه الأمريكان والأوربيون، والتجربة العراقية سيئة الصيت أكبر دليل على ذلك.

فمنذ تم احتلال العراق، وعلى مدى عدة سنوات لم نشهد سوى القتل اليومي المتبادل ومئات المليارات من الدولارات تهدر، ومئات الآلاف من القتلى، وآلاف القتلى الأمريكان الذين ذهبوا هباء، وعشرات الخطط العسكرية والبرامج والحكومات المتعاقبة التي لم تنجح بعد في استعادة العراق ما قبل الاحتلال حتى، لم تفلح جميعها في استعادة الاستقرار الكامل، واستعادة أهم مقومات الحياة (الأمن والغذاء والكهرباء والماء) وأهم مقومات التعايش والوحدة الوطنية. بل إن العراق اليوم رغم التحرر من إرهاب داعش ما يزال واقعا تحت تأثير التدخل الخارجي وتحت وطأة سلطة الجماعات المسلحة.

وفي الخلاصة، فإنه من الواضح تماماً أن الخطة اللعينة التي تستهدف التدمير المنهجي لسوريا، تريد في النهاية أن يكون الشغل الشاغل للسوريين، ليس الالتفات إلى الوحدة الوطنية والدفاع عن وحدة الوطن وبناء التنمية وتحرير الأرض من المحتل الصهيوني. وإنما ألا يكف السوريون عن تدمير أنفسهم بأنفسهم في حروب طائفية وعرقية ومناطقية لا نهاية لها.

 

همس

لا تكتمل الأشياء

بعد فوات الأوان،

وانقطاع الهواء المهاجر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها