النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

وغدًا يبدأ اليوم..

حول فنون الردح والتسطيح والتسخيف

رابط مختصر
العدد 10606 الإثنين 23 ابريل 2018 الموافق 7 شعبان 1439

ازداد قناعة يوما بعد يوم، وعبر مر السنين، وفي ظل الأحداث التي تعصف بالوطن العربي، بأن سلبية المثقف تجاه مصير الأمة وحمل الأمانة هي أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم في مقتل. ولذلك عندما تتحول هذه السلبية إلى إحدى سمات أي مجتمع، يكون هذا المجتمع قد أصبح في (خبر كان)!

وهذه المشكلة ليست بجديدة في تاريخنا القديم والحديث. بل هي تضرب في القدم بعيدًا: فعندما التفت ابن أبي داؤود إلى المعتصم بالله، وقال له وهو يصف أحمد بن حنبل: «هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل، مبتدع»، محرضًا السلطان على قتله، كان ذلك إعلانًا عن ردة الموجة العقلانية في التاريخ العربي الإسلامي، وخيانة المثقف (المستنير) للفكر والأمانة والأمة معًا.

وتتكرر هذه المأساة في بين فترة وأخرى، منذ ذلك الإعلان الأرعن: هذا يفكر وذاك يكفر، والكل يحصر النجاة في فرقته وجماعته وطائفيه وحزبه. والبقية الباقية كافرة، ضالة ومضلة مبتدعة، تستأهل القتل والشنق والجلوس على الكرسي الكهربائي إن لزم الأمر.

جرني إلى هذا الكلام، تعقيب سمعته منذ أيام قليلة في إحدى الفضائيات لأحد المثقفين، حول أحداث جليلة مأساوية، تجري في أحد البلدان العربية المنكوبة، والتي اتخذت منحى عنيفًا ولا معقولاً في أكثر الأحيان. وقد جاء ذلك التعليق في جملة مختصرة: (يا أخي مشاكل شعوبنا العربية اقتصادية تتعلق بالخبز، وليس بالفكر والرؤية السياسية. لقد تعبنا من عصر الشعارات والأفكار، دعونا نحل مشكلة الخبز أولاً...). كما جاء في ذات التعقيب السخيف: «إن مشاكل هذه الأمة معيشية، وليست سياسية ولا فكرية ولا ثقافية مثلما يدعي البعض».

الكلام هنا، ظاهره تعاطف مع الناس، وباطنه تسطيح وتسخيف للأمور، بل وردح مخيف. فأول ما يثيره كلام من هذا القبيل، أن عددا من مثقفينا المشتغلين بالتأثير على الجمهور من خلال الظهور الإعلامي المتكرر، يفتقرون إلى النظرة الشمولية الموضوعية للأمور وللقضايا الحيوية، ولهذا تراهم كلما وقع حدث أو حلت بالأمة كارثة أو أزمة، انشغلوا بجوانبها المباشرة، أو بقشورها الظاهرية، من دون الغوص في أعماقها، فيبقى الأمر معلقا بلا أرضية وبلا جذور، وبلا رؤية استشرافية، وهنا يحدث الخلط والخبط، ويسهم المثقف في تزييف وعي الناس على هذه الشاكلة..

صحيح أن الشارع العربي قد يثور وقد يغضب بسبب زيادة أسعار رغيف الخبز، مثلما حدث ويحدث في العديد من البلدان العربية، ولكن ذات الشارع يثور ويغضب بسبب العدوان على البلاد العربية، أو على القرارات الظالمة بشأن عروبة القدس واستمرار الاحتلال للأراضي العربية، أو انحيازًا إلى القضايا القومية الكبرى، أو من أجل المطالبة بحقوق مهدورة... إلخ.

فإذا كان الهم الاقتصادي-الاجتماعي قد يطغى في بعض الأحيان على سائر الهموم، فإنه لا يغيب الهموم الأخرى التي تقلق الرأي العام، وهي معروفة معلومة، لا يحتاج المثقف إلى التفتيش عنها بالنظارة المكبرة.

وإذا ما طغى الهم الاقتصادي في العديد من المناسبات فيولد ردود أفعال غاضبة، فإنه لا يجب أن ينسينا ذلك أبدًا عمق الأزمة الحضارية الشاملة التي تعيشها المجتمعات العربية، وتعدد أبعادها وتعقدها. فالجسم المريض تكثر أوجاعه، وكلما تموضعت في عضو من الأعضاء ظن أنه العضو الوحيد المعتل، ثم يكتشف بعد ذلك أنه هذا العضو يتداعي مريضًا، لما ألم بالجسد من علة مزمنة. كذلك أمر المجتمعات المريضة حضاريا، فهي مجتمعات معتلة، تنفجر أزماتها تباعًا، وفي كل مرة يتوهم القوم أن الداء في موضع، إلا وجوده في موضوع ثان وثالث، وهكذا، من دون الانتباه إلى أنه يعم الجسد كاملا. ومن هنا تأتي المعالجات مبتسرة أو متأخرة أو قاصرة أو جزئية، نظرًا لاتخاذ الإجراءات غير المناسبة في الوقت غير المناسب. ولذلك تتوالى المعالجات والتنظيرات حتى يطغى انفجار جديد على ما تقدم، ويطيح بالجهد السابق تلك الأزمة الجديدة. ويؤتى بوهم جديد لمعالجة جزئية جديدة قاصرة ومبتسرة، وهكذا نظل ندور في حلقة مفرغة بلا نهاية من التيه والضياع.

ولنفترض جدلاً - مجاراة لخطاب صاحب التعقيب-أن هموم الناس اقتصادية بالدرجة الأولى (تتلق بالخبز مثلما قال)، فهل هذا أمر إيجابي يجب أن نباركه؟ وهل على المثقف الفرح به وتبنيه؟

في تقديري، سوف يكون من المحزن أن نختزل طموحات الناس والشعوب في (الخبز) - على أهميته في حياة الناس - إلا أن شعار (الخبز)، إذا لم يرتكز على ثقافة أصيلة متضمنة للعناصر المركبة الصحيحة المتكاملة، فسيبقى شعارًا مهزوزًا وغير معبر عن طموحات الناس العميقة، ولا عن همومهم الحقيقية. فالشعوب إذا ما تقزمت اهتماماتها وصغرت طموحاتها سهل استعبادها، وكلما تعاظمت طموحاتها، وكبرت أشواقها، كانت أقدر على البقاء والاستمرار، ورفض الانسحاق.

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: لماذا يتم افتعال هذا التعارض بين الثقافة والفكر والاقتصاد والسياسة مثلا؟ أليس لكل اقتصاد ثقافة، ولكل سياسة أسسها ومنطلقاتها الثقافية والفكرية؟ فإذا حاولنا جاهدين إقامة نمط اقتصادي يتعارض في أهدافه وطبيعته مع أسس الثقافة الشعبية مثلا، فإن ذلك سوف يؤدي حتمًا إلى صراع حتمي، المخفي منه أكثر من الظاهر.

نورد مثل هذا الحديث، ليس لأن الساحة العربية تشهد المزيد من العنف والحقد والكراهية فحسب، ولكن نورده من منطلق الإيمان بأنه إذا ما افتقد المثقف للنزاهة والإيمان بقضايا أمته، وما لم يتصف بشمولية النظرة، وإذا ما لم يفترق الفكر الحر عن التهريج، فإننا مقبلون على المزيد من الحرفية والتخلف والسلبية، أكثر مما نحن عليه اليوم من سوء الحال والتدبير.

 

 

همس

 

همس يخترق أعقاب ليلة صيفية:

أيها الساهر: قم من نومك.

اشدد ازارك وارحل.

اجمع أشلاءك، واعزف لحنك الجديد، 

دع الساحة للمهرجان، وتلاوة الكلام.

سافر بحزنك الأخير، 

واترك بقايا قلبك خيمة للعشاق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها