النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

سالم سلطان.. شمس أخرى تغيب

رابط مختصر
العدد 10604 السبت 21 ابريل 2018 الموافق 5 شعبان 1439

 سالم سلطان فارس نبيل يترجل ورقة خضراء أخرى تسقط من شجرة الحياة، وعزائي في هذا المصاب الأليم أنني سأستحضره دائما مع أحباء آخرين غادروا مسرح الحياة بعد أن ملؤوها ضجيجًا وحضورًا وعملاً رائعًا وأصبحوا قدوة للأجيال. لن يغيب عنى وجه سالم سلطان الذي لا زمني نصف قرن، فنحن نتذكر الأموات أكثر من الأحياء، وننسى الأحياء ما أن نفترق عنهم، لكن عندما يذهبون الى الأبد يحضرون في مخيلتنا ويظهرون لنا في اليقظة والمنام. كنت ألتقي سالم سلطان في الأماكن الكثيرة من البلاد، إن جغرافيتنا الصغيرة تجعلنا نلتقي دائما، وتخلق بيننا الألفة والمودة. تكاد أن تكون البحرين بيتا واحدا يتوزع الأهل والأصدقاء في غرفه.

أحتفظ لسالم سلطان بود خاص، فبيننا وشائج روحية وفكرية، هي علاقات مبادئ وقيم، تلك التي يكون ثمنها غاليا في الغالب. ينتمي سالم سلطان الى جيل الستينات الذي شغفته الوطنية والثقافة. كان ذاك وقتا حرجا فالوطن تحت نير الإحتلال، والناس تنام وتصحوا على الوطنية والخلاص من الإستعمار الغاشم، والشباب هم الأكثر إنشغالا وإنفعالا وحماسا للخلاص من سطوة الإحتلال، والحركة الوطنية وأحزابها في أوج إندفاعها. إنخرط سالم سلطان في الحركة الوطنية، وأدى واجبه بإقتدار. كنا نلتقى كثيرا ونتبادل الحديث في السياسة والثقافة والأدب فهو قارئ مجتهد يهوى المعرفة والثقافة. وفي الستينات كان الأدب هو النافذة الأكثر فعالية للتعبير عن الهموم العامة، التي كنا نبثها على هيئة قصة أوقصيدة. كنت أحب وجه سالم سلطان الساكن في الأسى والالم، وابحث فيه عن تفاصيل المحنة. وكان يبادلنى هذا الحب الذي اختمر وتضاعف عبر خمسة عقود. وفي وقت بعيد جمعتنا حركة القوميين العرب أمنا التى علمتنا أبجدية العروبة في سن مبكرة فعشنا تحت مظلة واحدة ظليلة. كانت الحركة هي مخيلتنا الأولى وخميلتنا الزاهرة. إنخرط سالم سلطان في الحركة وشارك فيها مناضلا صادقا وفاعلا وقدم تضحيات كثيرة. بعد فترة التحق سالم بالمسرح فاقتربنا أكثر فبين الأدب والمسرح وشائج كثيرة، كنا نكتب عن المهمشين والنماذج الشعبية، وكان سالم يمثل هذه النماذج على المسرح. أحب سالم المسرح بشغف ومنحه الكثير من الجهد. أحب الناس وأحبوه بدورهم. وكان يسقي بدمه حلمنا المشترك في وطن تظلله الحرية والديمقراطية والعدالة.

كنا نبث الهموم العامة لبعض حين نلتقي، نتحدث عن المسرح والثقافة ولا ننسى الحديث في السياسة. في الأدب يتحدث النقاد عن الشخصية النموذجية، تلك التي تجمع صفات الأغلبية في شخص واحد يصبح هو نموذجا لها. سالم سلطان كان نموذجا جميلا للإنسان البحريني الطيب البسيط المحب للثقافة والبذل، المندمج في الهم العام، الدمث، المتعاون، المضحي، المحب للآخرين. عرفته في زمن مبكر من الستينات فتآلفنا سريعا، فكلانا من سرب واحد تجمعنا هموم واحدة، وتربطنا آمال شاهقة حملتنا أنسامها العليلة الى أفياء القومية العربية وحلم الوحدة الذي أصبح ملحا هذه الأيام.

في الستينات كان الوقت عصيبا. كانت الوطنية هي لباس أهل البحرين الزاهي في ذلك الوقت، وفي هبوب العواصف لا بد من المخاطرة فالأهداف الكبيرة التي تخص شعبا بأكمله تستحق التضحيات الكبيرة. الفقر يخلق الرجال، من ذلك عرف سالم الذي عركه الفقر وعجنته المآسي محطات كثيرة، استراح فيها قليلا وتعب فيها كثيرا، ورغم ذلك فهو يلقاك دائما مبتسما، ويتركك مبتسما، ولعله ينام مبتسما، وفي إبتسامته سخرية مرة من الحياة تنضح بالإحتجاج عليها، ثم يودعك بضحكة تشبه الأنين. ضحكة مبتورة أتصورها الآن وستلازمني طويلا. 

بجانب نضاله أحب سالم المسرح ففي الفن متسع للإفكار والأحاسيس للبوح بالمسكوت عنه والمحرم، بالذي يحدث ويضنينا. وفي المسرح اتصال بالناس وبث أشواقهم، وعرض لهمومهم التي كانت تعذبه طول الوقت. ثم حمله شغفه بالطفولة الى مسرح الأطفال فأسعدهم وأضحكهم فأحبوه وهو يغني لهم (حية أنا الحية)، كما أحبه الكبار في أدوار الإنسان البسيط. كان هذا الدور يناسبه كثيرًا، ولعلّ اختياره لهذا الدور كان مقصودًا من قبل المخرجين، فهو لا يحتاج لتقمص هذا الدور لأن شخصيته هي نموذج للإنسان البحريني البسيط. الدور يلبسه، وهو يؤديه دون تكلف.

أحب هو هذه الأدوار لأنه يحب الإنسان البسيط، فهذا الإنسان هو الأكثر اضطهادًا وتهميشًا. تنقل سالم سلطان الخارج من صلب الشعب، الأكثر تضررًا وفقرًا وبساطة في مواقع مختلفة، أسهم في الحركة الوطنية ودفع لذلك ثمنًا غاليا. أحب الفن الذي صاحبه في طفولته، واستقر في المسرح ليجسّد الشخصية التي أحبها. كان يعبر عن شعوره الوطني والإنساني في كل المواقع، وحمل أفكاره النيرة حيثما ذهب، في منصات النضال والفن، وحتى لقمة عيشه تناولها من أفضل المهن، كان معلمًا فاضلاً في مهنة هي قريبة الى نفسه، وتتناغم مع ميوله.

كان بيني وبين سالم سلطان هذا الحبل السري الذي يجمع الناس على الخير والحياة العادلة. كنت أحبه وطنيًا وأحبه فنانًا، وأحبه شخصًا، في سريرتي سالم أنموذج نمطي لنا، هو ممثلنا جميعًا، ويحمل روحنا وأفكارنا وأحلامنا. لقاءاتنا العابرة كانت مليئة بالسخرية والدعابة والمرارة. بالنسبة لي كان سالم هو روح الشعب وجوهره. اليوم غابت شمس أخرى أظلمت بكسوفها الحياة. نحزن لأن وجه نحبه يغيب؛ لأننا في غيابه نشعر بالوحدة والفقد والألم. لتنم يا صديقي الطيب في باطن الأرض التي أحببتها فهي تحتويك الآن بحنان. نم قرير العين في الرحم الذي أنجبنا ونذهب إليه جميعًا، لا زلت أذكرك، لا زلت أسمعك، وسأبقى كذلك وفاء لك وحبًا فيك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها