النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

العيش في تناغم

مجتمعات الحداثة المستحيلة

رابط مختصر
العدد 10601 الأربعاء 18 ابريل 2018 الموافق 2 شعبان 1439

لأول مرة أزور هذه المدينة العجيبة، مدينة لوكسمبورغ، فوجدتها تحفة طبيعية ومعمارية وإنسانية فريدة من نوعها، فبالرغم من أنها أصغر دولة في أوروبا، فإن سكانها هم الأعلى دخلا في القارة العجوز، بل هي من بين أغنى الدول، من حيث تراثها الفني والثقافي والإنساني. وهي من أفضل الدول المتعددة الأعراق والثقافات تعايشا وتناغما وانسجاما بالرغم من التنوع السكاني الكبير.
هي تحفة معمارية، تجمع بين القديم والجديد في خلطة فريدة عجيبة، دون تلفيق أو تناقض موحش، بل في تعيش في تناغم عز مثله عندنا. فالمدينة الجديدة لا تتوسع على حساب المدينة العتيقة ولا تتعدى عليها، ولا على مجالها الحيوي. فالمدينة القديمة بأسوارها وأبوابها الخشبية الضخمة، وككنائسها وبيوتاتها وألوانها الخاصة تتعانق فيما يشبه اللوحة التشكيلية المتقنة.
سكانها وتجارها وعبَّادها لم يهجروا بيوتهم العتيقة، ولا كنائسهم ولا متاجرهم إلى المدينة الجديدة التي تقف شامخة بمبانيها الشاهقة الجميلة، بل استقروا فيهم، وجعلوا الحياة تدب فيها دبيبًا حيًّا. والمباني الجديدة والطرقات والشوارع الفسيحة المجاورة للمدينة العتيقة، مصممة على نحو عصري، مع مراعاة جارتها القديمة من دون تعد او تنافر، أو أي شكل من العداء.
وهي تحفة طبيعية نادرة، تجتمع فيها الجبال والسهول والوهاد في انسجام: المياه والصخور والأشجار والمرتفعات والأودية جميعها تحافظ على كيانها الطبيعي الأصلي، فكأنها عند بدء الخلق.
وهي تحفة إنسانية، لأنها تحتضن في علاقة حانية عشرات الجنسيات من أصول وأقوام متعددة: في الشوارع والطرقات ترى الوجوه والسحنات والعيون مختلفة على ائتلافها، فتشعر أن الناس على اختلاف ألوانهم، وحتى ألسنتهم يجمعهم أمر عميق، يتجاوز اللون واللغة، وهو ما نسميه عندنا – وفقا لمعجم اللغة الخشبية الجوفاء بـ (الانتماء). وهم يسمونه عقد العيش المشترك في القيم الجامعة ونمط العيش الذي يحترمه الجميع ولا يتعدون عليه. نمط الحياة الجامع - على الاختلاف البين - هو ما ينظم حياة الناس عبر القانون الذي يعلو ولا يعلى عليه. وهنا السرّ الأكبر، والدرس الذي يجب استخلاصه.
المتاحف والمسارح ودور الثقافة ومراكز الفنون التشكيلية تملأ المدينة من شرقها إلى غربها، ومن جنوبها إلى شمالها، تتحدى البنوك والمؤسسات المالية التي تزخر بها وتنافسها حقيقة لا مجازا. إنها باختصار، نموذج للتعايش، ودرس في المواطنة.
الحداثة عندهم عميقة متجذرة تلمسها في كل شيء تقريبا، وهي ليست قشرة ولا شعارا أجوفا. فيما هي عندنا في البلاد العربية تكاد تكون مجرد قشرة خارجية، نظرا لانعدام وجود توافق عام بشأن هذا الموضوع، فقد انتهى بنا الأمر إلى نمطين مختلفين من الحياة والثقافة واللباس والفكر والعمران والتعليم والثقافة واللغة والسياسة من دون توافق او وئام أو تقبل او تعايش. وبالتالي أصبحنا مجتمعين تحت سقف واحد، من دون تكامل ولا تناغم. وربما يعود عمر هذه الإشكالية عندنا إلى البدايات الأولى للمشروع التحديثي نفسه في القرن التاسع عشر. وجوهر المشكلة أن الثقافتين عندنا قد سارتا في خطين متوازيين. وهذا التوازي خلق بدوره نمطين مختلفين من طرق التفكير والسلوك. ولذلك لا غرابة أن نكون مجتمعات تدور حول نفسها في حلقة مفرغة، وتجتر نفس الأسئلة منذ أكثر من قرنين تقريبا على الأقل.

قول على قول
تعقيبا على المقال المنشور في هذه المساحة منذ فترة حول الوضع العربي المهترئ، وردني هذا التعليق من أحد القراء، أنشر مختصره المفيد، فيما يلي: «اتفق معاك فيما أشرت اليه في مطارحاتك التي تشخص فيها واقعنا العربي الأليم، وعن حالة التشظي التي تمر فيها مجتمعاتنا العربية، وبدايات، تقسيمها الى جزيئات ذات طابع طائفي وقبلي ومناطقي وغيرها. هذا كلام صحيح لا جدال فيه أو حوله. لكن يا صديقي دعنا نتعمق قليلا في الوضع والمسببات التي أدت إلى كل هذه الوضعية المتردية.
ألا ترى ان أسس بناء الدول العربية ونشأتها الحديثة فيما بعد مرحلة التحرر الوطني وما بعد مرحلة الاستقلال كانت مشوهة ولم تستطع غالبيها التخلص من التركة الاستعمارية الثقيلة، على جميع المستويات السياسية والاقتصادية، بالرغم من وصول بعض الانظمة الوطنية ذات التوجه القومي لسدة الحكم؟
القضية الأخرى أن هذه الأنظمة في أغلبها، وطوال العقود الستة الماضية، لم تكن على قدر المسؤولية التاريخية التي تحتاجها الأمة، وهي بناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنة وترسيخ مدنية الدولة، وبناء الإنسان العربي وتنمية قدراته، بل عملت في الاتجاهات مختلفة ومضطربة، فسادت الفوضى والتهميش والإذلال في العديد من بلداننا العربية. ومن المؤسف أيضا استخدام الطائفية والعشائرية والمناطقية في اللعبة السياسية. فما نراه اليوم من نتائج وخيمة في عدد من هذه البلدان العربية (الحروب الأهلية والصراعات الدموية) كان متوقعا له أن يحدث، ولنا في عدد مؤلم من التجارب العربية الكثير.
جوهر الموضوع ان الحلول متوافرة، وهي بيد النخبة التي بيدها الأمر والقدرة على الفعل، وبإمكانها- إذا ما رجعت حصيلة التجربة وما فيها من أخطاء- ان توجد بعض المخارج من هذا المأزق الحضاري المركب من عدة عناصر. وأول مدخل للحل في تقديري، هو التوقف عن الارتهان للقوى الدولية، التي أصبحت تقرر مصير هذه البلدان والشعوب، بما يحقق مصالحها القومية على حسابنا. وثاني المداخل لهذه الحلول المرجوة هي تغليب مصالح الشعوب العربية، والالتفات إلى الداخل والانفتاح على الناس، الذين يملكون بحسهم الإنساني والوطني والقومي القدرة على الفرز بين الصح والخطأ، ومستعدون لتقديم الدعم والمساندة اللازمتين للخروج من الحلقة المفرغة التي نعيشها منذ عقود طويلة. وهذا سوف يفتح بابا أو أبوابا جديدة نحو الأخذ بزمام المبادرة والبحث عن الحلول الوطنية، بدلاً من الاتكاء على الخارج.... وإلا فإننا لا قدر الله متجهون نحو مزيد من التفتيت والأزمات، بل والسير نحو المجهول».

همس ........................................

لم يبقَ سوى طيفُكِ وصورة المدى،
يتوزعان الانتظار.
لم يبق من الوقت القليل غير القليل.
أيتها الفريدةْ في الزمان،
لا تُغْمضي عينيك في المنام.
قد ألتقيك عابرا في المساء.
أو جملة في دفترٍ مزين بالذكريات.
أحبُّ أن نبقى نشتعلْ، في الليل نختِمرْ
أحبُّ أن أنتظر..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها