النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10908 الثلاثاء 19 فبراير 2019 الموافق 14 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:07AM
  • المغرب
    5:33AM
  • العشاء
    7:03AM

كتاب الايام

الديمقراطية قبل الميلاد 1/2

رابط مختصر
العدد 10597 السبت 14 ابريل 2018 الموافق 28 رجب 1439

قرأت مؤخراً كتاب (أصول الفكر الإغريقي) الذي يعتبر إضافة ثقافية للمكتبة العربية، من تأليف جان بيير فرنان، ترجمة الدكتور جمال شحيد، إصدار هيئة البحرين للثقافة والآثار، ضمن مشروعها في سلسلة نشر المعارف بإشراف الدكتور طاهر لبيب. يتعرض الكتاب الى «المسار الذي أدى الى تراجع الإسطورة وظهور المعارف العقلانية في المجتمع الإغريقي». 

تجدر الإشارة الى أن الحضارة الحديثة مدينة الى هذه المعارف بدرجة كبيرة، وللمفارقة فإن هذا الفكر الجوهري الذي أحدث نقلة في المعارف البشرية، من الميثيولوجيا التي تفسر الظواهر والحياة بعشوائية تفتقر الى الإستناد التجريبي؛ الى الدراسة الوضعية للمجتمعات؛ هذا الفكر ظل لقرون عدة مهملا وطيّ النسيان حتى عصر النهضة في الغرب (1350 – 1550)، ويعتبر عصر النهضة الذي بدأ في روما بإيطاليا في منتصف القرن الرابع عشرهو القاعدة الراسخة لفكر الحضارة الحديثة، قبل ذلك سادت الثقافة الدينية المسيحية التي كانت تحارب المعارف الإغريقية القديمة وتعتبرها وثنية ومحرمة. في عصر النهضة بدأ الرجوع الأول إلى المنابع الإغريقية في الفكر لإحيائها، وقد تم ذلك علي يد (الإنسانيون) وهم مجموعة من الأدباء والعلماء والفنانين والأمراء اهتموا بحياة الإنسان ومحيطه الاجتماعي، كما فعل الإغريق في مدنهم القديمة في عصور قبل الميلاد، الذين استطاعوا بهذا التوجه العقلاني دراسة مجتمعاتهم والمشكلات التي تعترضهم لتأسيس مجتمع متناغم بنظام سياسي ينصف الجميع، ويمنح القطاع الواسع من الناس الشراكة الفاعلة في السلطة السياسية. 

يأخذك هذا الكتاب الشيق في رحلة معرفية قصيرة لكن غنية ومدهشة، فالتنظيم الاجتماعي الذي توصل اليه الإغريق في تلك الفترة المبكرة من عمر البشرية يكشف عن خلاصات جوهرية تشغل الفكر الحديث في العالم كالديمقراطية والإنصاف والعدالة، والتقارب بين الأغنياء والفقراء والحريّة والمسؤولية ودولة القانون. يقول مؤلف الكتاب الأستاذ في الكوليج دي فرانس الاختصاصي الشهير في اليونان القديمة: «إن فرادة بلاد الإغريق ناجمة عن الشكل الخاص الذي اتخذته وعلى تكوين المدينة القديمة التي تقتضي مشاركة جميع المواطنين في إدارة الشئون العامة». ويقول أرسطو في كتاب السياسة «خير للدول أن تحكمها جماعة فاضلة من أن يحكمها رجل فاضل»، وهو مبدأ ديمقراطي يكرس المشاركة في السلطة عبر قنوات ومجالس يحكمها القانون. 

يقول مؤلف الكتاب في حيز آخر: «ميّز أرسطو في كتاب السياسة ضرورة وجود ثلاث هيئات أو سلطات: الهيئة الاستشارية والهيئة الحاكمة والقضاء، وهي التي صارت السلطة التشريعية والسلطة الإدارية والسلطة القضائية في دساتيرنا الحديثة»، ويضيف قائلا «يرى أرسطو أن الخير الأسمى هو السعادة»، وأن «الحكمة الأولى التي نطقها حكماء اليونان كانت تفكيرا أخلاقيا وسياسيا، وحاولت هذه الحكمة تحديد الأسس لنظام إنساني جديد يحل محل السلطة المطلقة للعاهل الفرد أو للنبلاء والمتنفذين». هذا النظام يؤسس لخلق «مواطن يخضع ويأمر في آن». كما رأى قدماء الإغريق أن العدالة تحقق الاستقرار والتوازن الاجتماعي والرضا بين جميع المواطنين، وتوصلوا الى الكيفية التي تحقق هذه الأهداف من خلال «التوزيع العادل للوظائف والمكرمات والسلطة بين الأفراد والفصائل الذين يشكلون الجسم الاجتماعي، تناغم العدالة بين هذه العناصر فتخلق جماعة فريدة واحدة ومدينة موحدة». 

العدالة كما رآها قدماء الإغريق لا تقتصر على التوزيع العادل للثروة، بل تتعداها الى التوزيع العادل للسلطة بين الشرائح التي تشكل الكيان العام للمجتمع؛ وهو ما يجسده النظام الديمقراطي الحديث الذي يتشكل من الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المديني. لقد توصل قدماء الإغريق في فترة تاريخية مبكرة الى تقسيماتهم الخاصة عبر وسائل مختلفة تناسب ذلك العصر، في نفس الوقت لم يغفلوا عن أهمية التوزيع العادل للثروة وأهمية ذلك في الاستقرار والتناغم. واستطاعوا في فترة مبكرة من تاريخهم الوصول إلى الرفاه العام للجميع - بعد أن تطورت التجارة والصناعة - في نسق النظام العادل. 

كما ذهبت الدول الغربية الحديثة الى هذا الاتجاه؛ فهي لا تختلف عن هذا المنظور الإغريقي، خاصة دول الغرب الشمالي التي حقق فيها نظام الضرائب وفرة مادية كبيرة للدولة مكنتها من تقديم ما يضمن للمواطن محدود الدخل حياة تغطي حاجاته للعيش بطمأنينة ورفاه مادي واستقرار معنوي. لقد رسم الإغريق في ذلك الوقت المبكر وعيا متطورا بالوسائل التي تحقق للإنسان السعادة وهي الفضيلة الأسمى؛ ويتحقق ذلك ضمن إطار «نظام سياسي يفرض التوازن بين قوى متعارضة». هذا الكنز المعرفي ظل مغمورًا قرونًا عدة بعد أن طمره اللاهوت المسيحي وحرم الاقتراب منه ما أخّر نشوء المجتمعات الحديثة، ويذكر أن التوجه الجديد الذي بدأ في روما في عصر النهضة في العام 1350 انشغل بتأسيس السعادة والتوازن في المجتمعات في الحياة الدنيا بعد أن كانت المسيحية تعتبر الاستمتاع بالحياة خطيئة ملوثة؛ من هذا المنطلق «الذي كان سائدا في المجتمعات الإغريقية القديمة» بدأ تحديث المجتمعات الغربية، وبدأ التفاتهم للتراجم العربية التي نشرت فكر الإغريق القديم، فكان العرب مساهمين في النهضة الأوروبية من هذه الزاوية، بالإضافة الى ما أضافوه على الفكر الإغريقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها