النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

نحن جذور الأرض.. أهازيج أحوازية

رابط مختصر
العدد 10592 الإثنين 9 ابريل 2018 الموافق 23 رجب 1439

أطلقت الحركة الشعبية الاحوازية على نفسها كحراك عام هذه المرة شعار «انتفاضة الكرامة الثانية»، وهي ربيع احوزاي، كونه يأتي في مناخ مفعم بالامل ومن بعد وهج أعياد النيروز الايرانية، التي أشعلت جدلًا سياسيًا واجتماعيًا في المجتمع الاحوازي كالعادة من كل عام وكيفية التعاطي معه، وهذا يدخلهم (الشباب) في نقاش واسع لا قيمة له ولا جدوى منه، فهو يعزلهم عن الاهتمام بقضايا أكثر حيوية من الناحية الطبقية والسياسية ولا يميز ما بين جوهر الظاهرة وسطحها، ولكنه في ذات الوقت يشكل عيد النيروز للشعب الاحوازي حالة توتر عالية كونه صيغة معادية لهويتهم المختلطة بالعروبة والدين، تلك الحالة «المهيجة شعبيًا» كثيرًا ما خلقت هياجًا وتوترًا حياتيا لدى شعب عربي يعاني من مظاهر تدمير للهوية المستمر منذ اكثر من تسعة عقود، وتتضخم وتتسع كلما تمادى النظام ببرمجة طويلة الامد، يقف خلفها مشروع ترسانة التفريس الديموغرافي في داخل نظام عقائدي مؤدلج، يتجلبب أمام قاعدة البسطاء من الايرانيين بمسوح ديني في فضاء متشيع، بينما هناك في الحقيقة نخب وجماعات شوفينية في قلب النظام لا يمكنها التخلي عن فكرة التعصب القومي والاستعلاء القومي وسط تنوع عرقي وفسيفساء متنوع من النسيج الاجتماعي، أفرز روح الهيمنة العرقية السلالية القديمة، ونفخت فيها كل الانظمة المتوالية، انطلاقًا من رؤية وبحث عن هوية كبرى تذيب الاخرين في تلك الطاحونة الثقافية الجهنمية الفارسية. 

وبدلًا من الاندماج والتنوع الاجتماعي والتناغم والانسجام العرقي على أساس من التآخي الأممي بين الشعوب في ظل نظام قائم على المساواة الكاملة بين كل القوميات التي تقطن تلك الامبراطورية التاريخية القديمة والحديثة. 

وتحاول حالة «التفريس» المستمرة منهجيًا في ذهن النظام وزبانيته تدمير ذات الآخر من خلال الاقصاء المطلق تارة وفي تارة اخرى محاولة إذابته قدر المستطاع او تهميش تشكله وتجذره باقتلاع كل مكونات ومقومات ذلك التشكل العرقي التاريخي للهوية. 

وبما أن اللغة هي العمود الفقري لكل اثنوس في التاريخ، وهي التي من خلالها تتشرنق وتتشكل عناصر التاريخ والثقافة والأدب والموروث الشعبي والفلكوري، بل وكل تفاصيل الملمح العرقي لتلك الجماعة داخل اي مجتمع. 

والأحوازيون في ايران منذ احتلال ارضهم وضمهم عنوة والمساومة على حقوقهم بين الدول الكبرى والقوى المتصارعة في الداخل، فهم أيضا مثل كل الشعوب في العالم وجدت نفسها في التحصن والاحتماء والتشرنق من خلال الارض واللغة، فقد رضع الطفل الاحوازي من ثدي أمه تلك الاهازيج والهوسات والأغاني وهو في حاضنته الاولى منذ ان جاء الى الحياة، فذلك الرضيع لا يفقه علم السياسة ولا رياضيات المصالح الكبرى ولا أحابيل الاقطاع الداخلي والرأسمال الاجنبي، كل ما كان يعيه الطفل الاحوازي هو وجه أمه ورائحة الارض وماء النهر وسماء بغيوم رمادية ممطرة وحزينة حينا وعقيمة كالحة في حين آخر. 

لهذا تشبثت كل الأجيال بروحها قبل أن تتشبث بملامحها الخارجية، ثوبها وعقالها ونسيجها الاجتماعي، تمسكت بلسانها ولهجتها وانفاسها التراثية في عمق تاريخ متراكم متلاحم ممتد، يحاول الاستعمار الاستيطاني المهيمن اقتلاعه على مدار عقود. 

بين المد والجزر سافر وعاد وهاج نهر كارون وبكى مع شعبه صامتًا لأنه تاريخهم وجسد الارض الذي تموج فوقها، وكذا كان الشعب الاحوازي في حالة مد وجزر، جيل بعد جيل فتناقلوا بينهم «دم التمرد والعصيان من أجل هوية عربية متجذرة لا تقبل المساومة او حتى المساس بشعرة من تلك الهوية، لامرأة احوازية ماجدة مكابرة ومعاندة من أجل كرامتها وعزتها». 

نحن هنا أمام أجيال تتوارث ليس اللغة والأمسيات التراثية وإنما تتناقل بينها سرًا وعلانية لغة الاستياء والسخط لاحتقان عميق في الروح والجسد والحياة اليومية، امتهان للخبز والكرامة والهوية. 

من هنا ندرك لماذا كتب شبيبة وشعب الأحواز هذه المرة شعارًا مميزًا، وهي رسالة سياسية واضحة لتجاوزات النظام الايراني في محاولته الخبيثة «ابتلاع» حقيقة تاريخية على الخارطة كما هو يحاول ابتلاعها في الواقع وعلى الارض ليشكل صورة ذهنية مشوشة في ذهن كل الاعراق والشعوب الايرانية دون استثناء. خارطة بلا مكان ولا روح ولا لغة ولا ملامح لشعب عريق ضارب في قدم تاريخ المنطقة برمتها. يا له من تواطؤ دنيء لثقافة شوفينية فاقت في عرقيتها النزعة الفاشية والنازية. هكذا وجد الشعب الاحوازي المنتفض يكتب نداء لكل الشعب: «نحن هنا.. نحن جذور الارض من يقتلعنا» موعدنا اليوم الساعة 9:30 مساءً. شاطئ الخالدية في مدينة الاحواز. فكان مساء الاحواز مرجل غليان طوال أيام فكأن الليل يحتضن النهار، يعانق تلك الاصوات الراقصة فرحًا بالانتفاضة، كما احتضن التاريخ صوت اجدادهم مرددًا نحن هنا معكم لا تتركوا جذوركم تتقطع.. لنمت جميعنا معًا او نحيا معًا بكرامة احوازية. 

تعانق صوت الاجداد مع الاحفاد فاهتزت قم وحوزتها في قشعريرة نظام شاخ وهو في حالة تآكل واحتضار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها