النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

الرحلة الأخيرة..!

رابط مختصر
العدد 10592 الإثنين 9 ابريل 2018 الموافق 23 رجب 1439

في المسافة الفاصلة بين المطار وتلك المدينة الصحراوية القابعة في أقصى الجنوب، جلست طوال سبع ساعات أقلب تلك الصفحات، غارقاً في ذكريات لا بداية لها ولا نهاية، خمسة عقود بالأسود والأبيض وبالألوان.

استرجع آخر كلماته: «متى العودة يا بني متى؟ إن نهابتي لقريبة، لقد تعبت من الانتظار؟». 

فارد بلا مبالاة، وببرود استنكره اليوم: «خلال الإجازة الصيفية القادمة كالمعتاد بإذن الله». 

ينزعج من ردي البارد وتبدو على صوته البعيد نبرات الغضب الصامت، ويردف: «من المحتمل ألا تجدني على قيد الحياة». فأردد كلمات لا معنى لها، إلا الهروب من مواجهة تلك الصورة المتعبة... وتنتهي المكالمة عند هذا الحد!

]   ]   ]

في أغسطس الماضي، طلبت منه أن نلتقط صورة جماعية. ولأول مرة وافق على ذلك بسهولة بالغة، لأنه كان يكره التصوير كرهاً غريباً. كانت الصورة ناقصة: الوالدة غيبها الموت، أخي الأصغر وأختي الصغرى غيبتهما رحلة البحث عن أفق آخر في بلاد الغرب (التي يسميها بلاد الكفر والعدل!)..

علق ساخراً: «ألم أقل لك، إن الصورة لا تجمع عائلة، هنالك دائماً من هو غائب، مغيب، مهاجر. قد يجمعكم موتي ذات يوم قريب!!»

]   ]   ]

ذات الرحلة، كنت أقوم بها كل مرة أزوره فيها، في شهر أغسطس من كل عام، وعلى مدار اثنين وثلاثين عاماً. سبع ساعات بالسيارة، أو عشر ساعات بالقطار. أتأفف طوال الوقت من طول الطريق، من شمس أغسطس الحارقة ومن رياح السموم. رحلة سنوية مضنية، مع لفح الهجير.

اليوم، ها هي رحلة جديدة، ولكنها ليست في أغسطس، إنها في أول يوم من شهر إبريل، رحلة مختلفة، لأنها الأخيرة. هذا ما كان يتردد في دماغي مع وقع صوت عجلات السيارة على الطريق الصحراوي المغبر: «هذه هي الرحلة الأخيرة».

]   ]   ]

كان في آخر عقده الثامن، كأنه كهل في الأربعين، مديد القامة، أسمر البشرة، قاسي الملامح.. حفرت الأيام في وجهه أخاديد. ولكن علامات الرضى بادية عليه في سائر أحواله.. يرضى بالقليل القليل، ويعتبره نعمة من الله ورحمة، يقيم الصلاة من دون انقطاع، ويقضي نصف وقته في خدمة المصلين، وفي التأمل فيما بقي من الحياة، وفي تلاوة القرآن، ولكثرة غيابه عما حوله بدا كالمعلق بين الأرض والسماء، فلا هو من سكان هذه ولا من سكان تلك!

نشأ في أسرة فقيرة من الكادحين البسطاء، ولكنها راضية مرضية على فقرها، لا تشكو من شيء، ولا تعرف للشكوى طريقا أو منهجا، «الحمد لله» شعارها الوحيد. 

يجد في حكايات الآخرة والجنة والنار والسراط المستقيم متعة ما بعدها متعة، تغنيه عن الطعام وتنسيه النوم في كل حين.. يتخيل نفسه وهو يجوب أرجاء الأرض. أو يتجول بين النجوم في السماء السابعة. ويختم: «نسأل الله حسن العاقبة، نسأل الله حسن النزول».

حفظ أجزاءً من القرآن الكريم وأجاد ترتيلها، ويدأب على تكرارها كل يوم في الفجر وفي المساء، قبل المنام، حلقة متصلة في البداية والنهاية. وكنت أحب أن استمع إلى تلاوته للآي الكريم، في الصباح الباكر وأوقع منها ما به تتسع حياتي، فأعلو على نفسي حتى كأنني في الحلم اللذيذ، لم يكن يشبعني غير صوته وهو يدعو الله. لقد كان صوته، يأتيني رقيقاً، فيعانقني، ويدفن في قلبي طمأنينة النفس الراضية المرضية!

عندما بلغ الثمانين من عمره أرسل لحيته، وقل كلامه، وغشيه وقار عجيب. حتى أصبح السمت عنوانه. وقد تمر عليه أيام ينقطع فيها للعبادة، فيقسو على نفسه ويجد في ذلك راحة عجيبة من السكينة، وعندما يطول به الأمر ينكمش ويتكور، وتخامره فكرة الرحيل من جديد!! هكذا كان يسمي الموت: «إنه مجرد رحلة معلومة الوجهة، انتقال في المكان»..

سألته ذات مرة: لماذا انطع عن الذهاب إلى المسجد في أيامه الأخيرة، وكان في السابق لا يفارقه؟

فرد بوضوح غريب: «لقد وجدت نفسي هواء، وقلبي خواء.. فهجرت صلاة المنافقين، فوجدت نفسي في الوحدة، وفي الآي الكريم. لقد فنيت عصاتي، يا بني، واشتقت إلى الرحيل. لقد ضاق بي الأفق وانهد كياني. اشتقت التوحد مع ذاتي.. فناديت الرب أكثر من مرة: «آنسني بفنائك يا الله». وأنا في حيرتي أبكي! ليت الله يريني من نوره ما يجمع شتاتي، ويرحمني!!

]   ]   ]

لقد كان رحالة زار الجهات الأربع. أربعة وثلاثون عاماً أمضاها في بلاد الفرنجة، غريباً وحيداً، يكدح من أجل حياة أفضل، ولكنها لم تكن أبدا أفضل، كما جاء في خلاصاته المروية، التي يختمها بقوله المأثور: «الفقر في الوطن غربة».. 

ولذلك عندما عاد إلى ما يسميه النبع الصافي في الصحراء، استعاد نفسه الضائعة المعلقة بين السماء والأرض، فكان يحمد الله على أنه سوف يحظى أخيراً بميتة هانئة، طالما تمناها طوال سني الغربة:

«أخيراً سأحظى بالجلوس إلى الناس الطيبين الصادقين، وبين أشجار النخيل الباسقة، والينابيع الصافية، أطرب لسماع أصواتهم المجلجلة، وقهقهاتهم التي تدمع معها عيونهم، وحكاياتهم المكررة، وحياتهم الخشنة، وملابسهم الرثة من غبار الواحات. أخيراً أصبحت قدماي على الأرض، لقد أمضيت أكثر من ثلاثة عقود معلقاً بين السماء والأرض».

]   ]   ]

اليوم، وفي رحلتي الأخيرة إلى الصحراء، اختفى من الصورة العائلية صورته الساخرة من الحياة. 

اليوم في هذه الرحلة الأخيرة تمكنت من دفنه أخيرا، في جبانة فسيحة، في قطعة من الصحراء، وأهلت على قبره الرمال الناعمة، وسط  الآي الكريم..

رحمه الله، فقد كان أكبر من الحياة.

همس

في منتصف الطريقِ،

وحدي

والطريق غمام، 

ويقين الرحيل،

عند النهاية سلام أخير.

تجتمعُ الدروبُ،

عند الطريق الطويل، 

وعند أبواب الظلال.

أقف على الباب رهنَ الرَّيحِ،

يحملني قلبُ المعنّى،

مطرا للمعنى الكتوم،

 يُوجعهُ الرحيل

ليبكي لحظة الفقد.

يحلِّقُ في سماء الذكرى.

لنلتقي عند الطريقِ الضَّجر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها