النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

نحتفي بالموسيقار مبارك نجم

رابط مختصر
العدد 10590 السبت 7 ابريل 2018 الموافق 21 رجب 1439

 هذا الصباح كنت على موعد مع الموسيقى، وكم ستكون حياتنا مضجرة وجافة وقاحلة لولا الموسيقى، فنحن نسعد بصحبتها على مدار الساعة. وموعدي هذا اليوم كان مختلفًا، فرغم علمي بالإنجازات المميزة التي حققها الموسيقار القدير مبارك نجم إلا أن الهدية التي أرسلها لي كانت لا تعادلها نفائس المال والذهب، فالفن الرائع أغلى من الألماس، وهو ثروة الشعوب الباقية عندما تزول الدول والماديات. كان قرصًا صغيرًا احتوى على أغانٍ بحرينية أوركسترالية لمجموعة من الفنانين البحرينيين المعروفين. 

الرائع في الأمر أن الألحان الأوركسترالية التي أضافها مبارك نجم أعطت الأغنيات طابعاً سيمفونيا إعتدنا سماعه في الموسيقى الكلاسيكية؛ موسيقى العقل والروح. أنت هنا بصحبة موسيقار متمكن درس الموسيقى كعلم، وتسمع فلكلورا موسيقيا شعبيا، وموسيقى سمفونية، مع أطياف عالمية لموسيقيين عظام تكرست سمفونياتهم وأعمالهم، أطياف من تشايكوفسكي وكسارة البندق وبتهوفن في موسيقاه الآسرة، وبيزيه في أوبرا كارمن وموسيقى الفالس، في ألحان متداخلة على آلات متنوعة تعاضد بعضها البعض وترفع وتيرة الإنفعال والتفاعل عند المستمع. التوزيع والعزف الأوركسترالى حوّل الأغنيات الشعبية البسيطة الى أنغام شاسعة ورحبة وغنية. استسلمت للعزف الأوركسترالي الفخم والمهيب وهو يتنقل ما بين العلو والانخفاض كما هو العزف السمفوني، والآلات تتداخل وتتناغم وتعاضد بعضها البعض. 

رحلة روحية شيقة كانت لي وكنت لها، متعة لم أعشها منذ فترة طويلة. حملتني هذه الألحان فوق سحابة بيضاء، كان لي جناح في ريح هادءة وشفافة. رحلت، رحلت كثيراً وطويلاً هذا الصباح وأنا في ألفة السرير وطمأنينة البيت الذي لا أغادره إلا قليلاً، هكذا نحن نستسلم للموسيقى الصديقة الأليفة، نعطيها أرواحنا لتعتني بها وتجدد طاقتنا، لا نكترث معها للمسافات والزمن.

 التمازج بين موسيقى الأغاني البحرينية والعزف الأوركسترالي ينقلنا الى عوالم وآفاق بعيدة، العمق الفلكلوري الشعبي البحريني ينقلنا الى أزمنة وأمكنة لنا فيها ذكريات، المنازل الطينية الصغيرة التي هجرناها أبدانا لكن أرواحنا وذكرياتنا ظلت فيها. الفرجان موطن الحب والمرجان، والشواطئ وبحارة الغوص، ولماتنا في الدكاكين وزويد يغني [لمع البرق اليماني/‏ وشجاني ما شجاني. 

عادت بي الألحان الشعبية بسطوة العزف الأوركسترالي برهة الأغنيات التي ترعرعنا معها فأحببناها كما أحببنا بلادنا وأهلنا ورفاقنا، فوق السحاب والزمن طفوت. جلست على غيمة، واتكأت على غيمة أخرى، وقطفت النجموم. 

أنا أكتب الآن انطباعي بروحي لا بأصابعي تحت خميلة هذه الموسيقى التي أعاد تأليفها مبارك نجم فأعطاها عمقاً. 

استلهم مبارك نجم تراثنا الموسيقي الشعبي، ومنح هذه الألحان روحه، خلقها من جديد، آلات تغذي بعضها البعض، مشحونة بالشجن تارة، والفرح تارة، وفِي كل الأحوال أنت في متعة روحية تصل بك الى النرفانا: النشوة والسعادة القصوى. كل الأغنيات /‏ الألحان تمتزج وتمنحك هذا السلام والأمان والسكينة. 

استعدت حياتنا في الفرجان، رأيت الأهل الذين غابوا والأصدقاء الذين شاخوا، والشواطئ التي غادرت، والمنازل التي تهدمت، يتنقل اللحن بين عالمين، الموسيقى لا تدعك في مكان واحد، ولا شعور واحد، ولا طريق واحد، وفِي كل الحلات أنت مستمتع، وروحك عاصفة وحالمة ومستيقظة، هل يمكن أن يكون كل هذا الثراء مخبوء في موسيقانا الشعبية؟ هذا هو الإبداع أن يكتشف الفنان الجمال المتخفي والساكن. 

تحولت هذه الموسيقى من البساطة الى العمق والشفافية والعذوبة: ألحان تتدفق كالماء السلسبيل، متتابعة وجامحة وهادءة، في علو وانخفاض راقص، فالس يحظك على الفرح والسكينة. يأخذك العزف الأوركسترالي الذي أبدعه مبارك نجم وأدته الفرقة السمفونية البلغارية، الى أماكن نائية في أعماق الروح، جبت أمكنة وتنقلت بأزمنة، يالهذا العقل المتشضي وهذه الموسيقى، رأيت وجوها كثيرة أحبها طافت بخيالي، تذكرت أوقاتا سعيدة، امتلأت شجناً عذباً يعذب. 

أصغيت في هذا النهار البهيج الى نفسي، إلى الدهاليز القلقة الحائرة، موسيقى توهجت معها حتى الاشتعال، البيانو الرقراق، والكمان والفلوت، والسكسفون والناي، ممزوجة بالفلكلور البحريني، وأغنيات نحبها كأطفالنا، وآبائنا وإمهاتنا، أغاني تغنى على البحرين، وناسها، وبحرها، وأطيافها، وسعفها، وأحزانها وأفراحها: جروح قلبي وتر/‏ وينك يا عازف عود، تبين عيني لك عيوني /‏ أنا وكل ما أملك /‏ يقول انت عزيز الراس/‏ وأهلك أعز الناس /‏ يقول انت بحريني، عنوا على البال عصرية /‏ وداني الشوق أراضيهم/‏ إشلون عنوا علي /‏ وأنا اللي حالف ما أراضيهم، نعم نعم نحب هوى الديرة /‏ لو كانت صغيرة/‏ مزروعة وسط الهم، ياأم عمر جزاك الله مغفرة /‏ ردي علي فؤادي كالذي كانا. 

أغنيات روتنا وعطرنا شذاها، كبرنا معها مُنذ كنّا فسائل، حتى صرنا نخيلاً، حملت معنا أفراحنا وأحزاننا، غفلتنا وحضورنا، سمعناها في الدور والشواطئ والبساتين، في الليل والنهار، وكانت تبكينا وتفرحنا، كل هذا الشعر والألحان الشعبية والأوركسترالية معاً. 

أهدانا مبارك نجم قلبه، أهدانا ألحانًا لتبقى الى أمد طويل ففيها أريج الوطن وأهله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها