النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

عبدالحليم.. صوت الحب والثورة وشعلة الأوطان

رابط مختصر
العدد 10590 السبت 7 ابريل 2018 الموافق 21 رجب 1439

ربما لم يعش العندليب الراحل عبدالحليم حافظ حالة حب واحدة، رغم الأقاويل الكثيرة التي تقول إنه عاش أكثر من حالة حب، إلا أنه بعد 41 عامًا على رحيله، يظل عبدالحليم أو «حليم» كما أحب هو هذا الاسم من أصدقائه ومحبيه، متربعًا في قلوب العشاق، فلا يوجد عاشق سواء في جيله أو الأجيال التي جاءت بعده يعيش قصة حبه دون الاستماع إلى أغانيه التي أذابت قلوبًا وأرواحًا. فحليم الذي غنى للحب ولمصر والوطن العربي، كان إنسانًا محبًا للحب نفسه ولمصره ووطنه الأكبر، فلم ولن ينساه الجميع.

 لكننا ونحن نعيش ذكرى رحيله، كنا نتمنى أن يكون حليم معنا، وأنا شخصيا تمنيت أن أعيش عصر حليم وأنا أقيم في هذا البلد.. بلد عبدالحليم، مصر العروبة هذا البلد الذي علمنا مفردات الحياة الجميلة في تذوق الجمال والطبيعة والحب والبطولات والسحر الرباني في نيل مصر وفجرها الرائع وشمس الاصيل في غروبها الجميل او أشياء.. وأشياء، لأكون معه في أي مكان يعيش فيه أو ينتقل إليه، تمنيت أن أعايشه لحظات إبداعاته وقراءته أبيات الشعر الجديدة وكيف يختار منها أروعه ليغني لنا أعذبه وأشجنه، فكانت أغانيه وقصائده تتسم بالتنوع، ومع تنوعها أحبها الجميع وحفظها عن ظهر قلب، فكان جمهوره يخرج من حفلاته يردد كلماته، لتنتشر في كل مكان، حتى أفلامه لم تكن أقل حظًا من أغانيه، فيخرج جمهور السينما وهو يحفظ تمامًا كل أغاني الفيلم. ومن هنا كان حليم نجم الشباب والكبار، وقاهر قلوب العذارى، فأحبته بنات جيله من مصر والوطن العربي، ولم تكن فتيات البلدان الأوروبية من أصول عربية أقل عشقًا له، فترددت حكايات كثيرة عن وقوع الكثيرات في هواه وحبه، وتهافتن على رؤيته والاقتراب منه بمجرد علمهن بأنه موجود في هذه العاصمة أو غيرها. وقد شهدت العاصمة الفرنسية باريس أكثر من قصة حب ترددت هناك عن وقوع فتاة في حبه، لكنه -كما يروي المقربون منه- كان يحافظ على شعرة معاوية مع الجميع، لا يرفض ولا يتمادى، فيترك البنات يقعن في حبه، ويقف هو محايدًا، ربما مستغلاً نجوميته والخوف على هذه النجومية أن تضيع لو عرف جمهوره العريض من النساء إنه تزوج او أحب.. فقد كان يحافظ بقوة على شكله العام، ولم يتنازل عن الصورة التي وضع نفسه بها. حتى عندما شاعت قصة حبه للنجمة زبيدة ثروت بطلة فيلم «يوم من عمري» لتنتشر في وسائل الإعلام وقتها، ثم تشيع هي أنه تقدم لخطبتها إلا أن عائلتها رفضته بسبب عمله مطربا، وأنه لا يليق بحسبها ونسبها، فما كان من حليم إلا أن أوعز لابن شقيقه نفي قصة الحب جملة وتفصيلاً، بل أشاع هو أن هذه القصة مختلقة وكانت مجرد دعاية مجانية لفيلم «يوم من عمري» قبل عرضه بالسينما.

نفهم من هذه القصة، أن حليم كان شديد الذكاء ويعمل لنجوميته ألف حساب، ولم يتردد لحظة في دعم هذه النجومية، ولهذا يروون عنه أنه كان يحتفظ بأسماء صحفيين كثيرين في أجندة تلفوناته آنذاك، ليفاجأ الواحد منهم على سبيل المثال بمكالمة هاتفية من حليم يطمئن على ابنه المريض وأنه مستعد لتقديم أي مساعدة له. فقد كان حليم إنسانًا مجاملاً محبًا لأصدقائه والمقربين منه، ولم يرفض أبدًا مد يد العون لأي إنسان، فكان قلبه طيبًا للغاية مثلما كان يغني، فهو لم يمثل الطيبة والحنان، خاصة الحنان الذي افتقده وهو طفل صغير، ليجد في شبابه كل مصر تحبه وتشعره بالقرب منه.

لقد تنوعت أغاني وقصائد حليم، ولم تقتصر على الغراميات والحب الملتهب، فكانت أغانيه عن النجاح وأعياد الميلاد، فنتذكر له أغنية «الناجح يرفع ايده» التي كانت أيقونة في كل بيت مصري بل وعربي لحظة إعلان نتائج الامتحانات، حتى ان الإذاعات العربية كانت تبثها تلقائيًا وقت إعلان نتائج الشهادات. وكذلك الحال أغنية «عقبالك يوم ميلادك» فكانت الأغنية الرسمية لكل حفلات أعياد الميلاد حتى وقت قريب، فلم يخلُ حفل دون تشغيلها وترديد جميع المدعوين لها.

فعبدالحليم لم يكن مجرد مطرب عاطفي فقط، بل كان جملة من العواطف، فكان وطنيًا مفعمًا بحب بلده وزعيمها جمال عبدالناصر، فجسد مع الثلاثي صلاح جاهين الشاعر الكبير، وكمال الطويل الملحن المبدع، نموذجًا وطنيًا مصريًا خالصًا، ليقدموا أروع الأغاني الوطنية، حتى قيل إنه لولا أغاني عبدالحليم الوطنية لما نجح مشروع جمال عبدالناصر في مصر والوطن العربي وأفريقيا، بل والعالم أجمع. فمن حظوظ ناصر أنه عاصر فنانًا مبدعًا وثوريًا مثل حليم، فهو ظهر مع الثورة وغنى لها، ولم تفته مناسبة لمصر إلا وغنى لها، كانت مصر هي نبض قلبه التي يتغنى بحبها، وغنى للاشتراكية والفلاح والسد العالي والحرب والنصر واعادة افتتاح قناة السويس، وكانت أغانيه مثل الرصاص تشعل حماس المصريين والعرب معًا. ولم تكن ثورية عبدالحليم عفوية أو وليدة اللحظة، بل عاش ثورة يوليو بقلبه وكيانه ودمه، واندمح مع روح زعيمها جمال عبدالناصر بكلمات جاهين وموسيقى كمال الطويل، حتى أن الجميع حفظ هذه الأغاني أيضا ليظلوا يرددونها حتى يومنا هذا، بل إنني اعتقد ان أوطاننا في وقتنا الراهن تفتقر لمثل هذه الأغاني الوطنية المفعمة بالروح الثورية التي كانت تحرك الجبال الساكنة.

لقد كان حليم شمعة أضاءت طريق الحب لكل عاشق وعاشقة، فأحبه الجميع، وهو الذي كان يضحي بصحته من أجل إسعاد عشاقه وجمهوره الواسع، فكان مثالاً للشخصية الوفية لمحبيها والإخلاص لهم.. فكان خير معبرٍ عن أمانيهم وحياتهم اليومية وحبهم وحزنهم وأفراحهم، وحتى أعياد ميلادهم كما أسلفت، وجسد في وقته عدة أجيال في وقت واحد، الشباب والكبار. وعندما توفي قالوا عن حليم إنه النغم الذي اختنق في حلقه ومات، كناية عن حبه الشديد لفنه، لكن موته لم يدفن أغانيه معه، بل زادت مبيعاتها حتى سجلت الأعلى في التاريخ؛ لأنه مثل الرسام الذي تتضاعف قيمة لوحاته عندما يرحل عن عالمنا، وكذلك الأديب الذي تزداد شهرته بعد رحيله ليصف القراء كلماته بـ«القدسية». هكذا الفنان عبدالحليم حافظ الذي مات وأصبح صوته الأغلى؛ لأنه صوت لن يتكرر ليحيا حليم عندليبًا خالدًا، لقد مات وذهبت حنجرته، لكن ظلت كلماته وآهاته وأغانيه، فالنغم باقٍ معنا دائمًا عبر الزمان والمكان والأجيال.

وكما اعتدت في كتاباتي عن سيدة الشرق أم كلثوم أن استشهد ببعض أغانيها عندما اتحدث عنها، فلا يفوتني هنا كلمات قصيدة «لقاء» الرائعة التي غناها من كلمات صلاح عبدالصبور وتلحين كمال الطويل، فهي تمثل حالة وجد وعشق خاصة بعد عامين من الفراق، فهي تقترب من أغاني كلثوم عن الذكريات واسترجاع الحب القديم، لكن الاختلاف هنا هو صوت وروح عبدالحليم وهو يعود الى هذه الذكرى بعد عامين من الغياب:

بعد عامين التقيناها هنا.. 

والدجى يغمر وجه المورد

وشربنا النور يخبو حولنا.. 

وسبحنا في هلال الموكب

وانتبهنا فتبعنا ظلنا.. 

دمعنا ينطق واللحظ رضى

آه لو تدرين ما أكتم في دمي.. 

يا واحة المفترق

كانت الذكرى عزائي زمنا.. 

يوم فارقت زماني نفحات

كنت أودع قلبي الشجنا.. 

أتعزى في ليال ذكريات

وتعللت بفجر قد دنى.. 

يطلع الشمس نور سمات

ثم هنا نحن التقينا ها هنا.. 

والدجى يغمر وجه المورد

لست أنساك غرامًا في دمي.. 

ومنى عمري وآمل وجدي

وصباحًا نام في المبتسم.. 

وشعاعًا فتنة المتقد

يا غرامي في الطريق المظلم.. 

يا غرامي خالدًا للأبد

في عيوني فرحة مشرقة.. 

والدجى يغمر وجه المورد 

لم يرحل عبدالحليم، فكلنا نمتلك روحه وأغانيه، لكننا عشقنا حبيباته ونجماته في الأفلام التي مثلها، وكلنا غنينا «أندم لو حبيت وقسيت وأندم لو عمري ما حبيت.. خايف أني أحب، وخايف ينسي الحب يوم يقابلني، وخايف أجرب وخايف أهرب، خايف أقرب يبعد عني». لكنه الحب، هو عبدالحليم، هو الثورة والنصر والأرض والسلاح، وهو أيضا عيد الميلاد، وهو الموعود دائما بالعذاب، وهي الأغنية التي جسد فيها حياته وغناها بقلبه وليس لسانه.

كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها