النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

موت الراشي وبقاء المرتشي!

رابط مختصر
العدد 10585 الإثنين 2 ابريل 2018 الموافق 16 رجب 1439

 «تنبع أطروحة القاضي جون ت نونان الضخمة التي وضعها بعنوان «الرشاوى» نشوء الفساد والاستجابات التي وجه بها قبل العصور التوراتية. وبعد مرور اكثر من عقد على كتابة نونان لدراسته، فإنه لا يبدو أن شدة ترسخ الفساد وقدرته على التشبث بمواقعه في أي بيئة تقريبا، قد تضاءلت». (كيمبرلي آن إليوت، الفساد والاقتصاد العالمي، ص 11). تحتل الصحافة العالمية والوكالات هذه الفترة فضيحة فساد نيقولا سركوزي رئيس فرنسا الاسبق، حيث كل يوم تزدان الصحف الفرنسية بأخبار جديدة، بل باتت متعة القراء والصحفيين والاعلاميين في كشف عورة «نسيج ذلك الانسان الفاسد» كما كتب ايزايا برلين.
ولو كان الفاسد موظفا كبيرا او زعيما من البلدان النامية ومن حاشية الطغاة، لقامت الدنيا ولم تقعد، غير ان هذه المرة فضيحة الفساد في بلد الثقافة والتنوير والحضارة وفي عقر الديمقراطية الاوربية العريقة، الفاسد هذه المرة جاء من قصر الاليزيه وعلى بعد امتار من شوارع الحرية التي عرفتها باريس في كل صراعاتها الاجتماعية منذ الثورة الفرنسية العظمى وكومونة باريس. رائحة الفساد التي تغطي هذه الفترة ربيع فرنسا وباريس الجميلة بكتابات جدارية عن زعيم خلع كل ملابسه وبدا عاريا في ذلك اليخت الذي ظل يبحر في البحر الابيض في رحلة استجمام من مرسليا الى شواطئ ليبيا الخفية، فربما كان «يخت السعادة» يحمل صناديق التهريب لمبالغ كبيرة غير الخمسين مليون يورو، فكيف تكشفت الآن وبقوة الفضيحة؟ هل كانت الظروف تستدعي طمسها حتى اشعار آخر أم حكومة ماكرون قررت حرق كل سفن سركوزي واليمين لكي لا يعود الى سدة المنافسة السياسية وتدمير مواقع اليمين كله في فرنسا.
دون شك في فضيحة فساد سركوزي نجد قطبي المعادلة الراشي والمرتشي فلا يوجد طرف بدون الاخر، غير ان الراشي اصبح في عداد الموتى ولا يمكن محاسبة ومساءلة جثة هامدة، ولكن من الناحية الاخلاقية تظل تلك العملية لطخة في تاريخ القذافي كونه تصرف في اموال الشعب الليبي، وكأن تلك الاموال ملكية خاصة لمزرعته، تصرف في اموال لا تخصه وبتبرير واهٍ، مما يؤكد على ان الانظمة الفردية والاستبدادية لا تخضع للمراقبة والمساءلة لكل ما يمت بثروة شعب ما. مات القذافي ورحل بكل تاريخه تاركا خلفه دخان اسود وكثيف، وصفحات رمادية مجهولة ستكشف عنها الحياة بالتدريج، ولكن وفاة الزعماء المغلقة حياتهم بالاسرار أثناء حياتهم تتكشف بعد مماتهم ويتم نحر الجثث المدفونة بسكاكين الحقيقة والاشاعة معا.
لذا نترك صفحة القذافي/‏ الراشي جانبا ونهتم بصفحة سركوزي/‏ المرتشي، كونه لا زال حيا وقضيته باتت في ملف القضاء والعدالة والتحقيقات. وطالما كشفت التحقيقات فساد الرئيس الفرنسي السابق في قضية واحدة، فإن التحقيقات ستكشف التفاصيل الاخرى الخفية كحساباته السرية، فلا يمكن ان لا «يسرق» سركوزي جزءا من مبلغ الخمسين مليونا لحملته الانتخابية ويضعها في جيبه الخاص، ففي الحملات الانتخابية هناك تسيب وتسرب في النفقات والمصاريف ومن السهل تزيف الارصدة وبعثرة ما يمكن بعثرته من فساد مالي واداري بكل سهولة.
الخمسون مليونا عدا ونقدا مسلسل شيق في رحلتها وخروجها من ليبيا حتى وصولها في حضن الرئيس سركوزي. القذافي يرقد في العدم ولكن قلق الدوحة وملف الفساد مع سركوزي من يستطيع اغلاق «حنفيته» فخيوط التحقيقات هذا العام ستمتد منذ قضية الطبيبات والممرضات البلغاريات في ليبيا مرورا برشاوى كبرى لدعم حملة انتخابية حتى رشاوى مونديال 2022، ففساد سركوزي قد يفتح الابواب امام ادانة تميم بن حمد حول رشاوى مونديال 2022 امام القضاء الفرنسي قبل نهاية العام. وهناك تقارير تتحدث عن وجود قانون جديد يمهد لمحاكمة مسئولي الدوحة بباريس بعد تقديم 300 مليون دولار للرئيس الاسبق.
ووفق ما نشرته صحيفة الخليج الاماراتية نقلا عن تقارير فرنسية مختزلة في 79 صفحة للنيابة العامة الفرنسية، حيث تتمركز كل تلك الصفحات حول «تورط ساركوزي في ملفات الفساد وسوء استخدام السلطة». وهناك وفق التقرير «أدلة قاطعة».
وكلما توسعت دائرة التحقيقات مع سركوزي هبط الكابوس على النظام القطري، فاذا ما ثبتت رشوة 300 مليون دولار خلال ازمة الممرضات والطبيبات البلغاريات عام 2007، فإنها قد تجر امير قطر الحالي الشيخ تميم ووالده للمحاكمة في قضية فساد المونديال استنادا الى قانون «سابين 2» الجديد لمكافحة الفساد والارهاب، فالقانون الفرنسي يتيح محاكمة الاجانب الرسميين وغير الرسميين، سواء كانوا داخل فرنسا أو خارجها، في حال تورطهم في الفساد وتقديمهم رشوة لأي مسؤول فرنسي، وهذا ما ينطبق بالضبط على حالة تميم ووالده. وقد تم تمرير قانون «سابين» في ديسمبر 2016 ليتماشى مع المعايير الدولية والاوربية المشددة لمكافحة الارهاب.
وقبل هذا القانون كانت قوانين مكافحة دفع الرشى من قبل مسؤولي الحكومات الاجنبية غير موجودة في فرنسا. ان حلقة الحصار والتحقيقات تضيق حول عناق من «أفسدوا في الارض!، وباتت قوانين المكافحة موحدة ومنسجمة ومسؤولة عن كل الجرائم. نتذكر مقولة الفيلسوف كانت: «من نسيج الانسان الفاسد لم يصنع أي شيء مستقيم أبدا».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها