النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

«الحال منصوب»

ثقافة الاستنجاد بالخارج وفضائل الاحتلال..

رابط مختصر
العدد 10585 الإثنين 2 ابريل 2018 الموافق 16 رجب 1439

عندما نتحدث عن نظرية المؤامرة، غالبا ما تأتي التعليقات الفورية الجاهزة لتتحدث عن سخافة الطرح، وعن سذاجة التحليل وعن الهروب من مواجهة الواقع بتحميل الآخرين مسؤولية مآسينا ومشكلاتنا المقيمة في البلاد العربية.
إلا ان الوقائع على الارض هي التي تلح علينا للأخذ بنظرية المؤامرة المرتبة ترتيبا معلنا بمقدمات ونتائج ملموسة، ليس من خلال محاولة ربط المقدمات بالنتائج فحسب، بل من خلال جنود حقيقيين بخوذات ورشاشات وصواريخ عابرة، يجوسون داخل الأرض العربية بنعالهم، ومن خلال قنوات فضائية مدفوعة الأجر تتفرغ للحط منا يوميا، وهي معلومة المصدر والتمويل واللغة والخطاب والضيوف والمتحدثين وكتابات وتصريحات وقرارات ومواقف وزيارات غير معلنة في جنح الظلام وأخرى تجري في وضح النهار.
وهنالك العديد من الأمثلة الحية المحزنة التي تنزل بنا إلى الجحيم: جحيم الفوضى والموت المجاني والتفكك الذي يحول الوطن إلى أوطان، والعلم إلى أعلام والحاكم إلى حكام والإقليم إلى أقاليم، بل الأسوأ من ذلك ظهور ثقافة جديدة هي أقرب إلى الوقاحة السياسية غير المسبوقة في تاريخ الشعوب الحرة، وهي ثقافة الاستنجاد بالخارج، ومدح الاحتلال وإعداد المعلقات حول فضائله ومكارمه التي لا تحصى ولا تعد.
تداعيات مثل هذه الحالات التي تحدث في الأرض العربية، سواء من خلال المجازر المنظمة او من خلال تقطيع أوصال المجتمع والجغرافيا واستنهاض النزعات البدائية الغريزية، نزعات ما قبل الدول والمدنية، باتت ملموسة وكارثية على خرائطنا العربية المقطعة أصلا.
ومن مظاهرها البائسة أن نرى استشراء ثقافة الاستنجاد بالأجنبي، والتواطؤ معه ضد الداخل، واستحضار الهويات البدائية على حساب الوطن، وهي تعود بقوة وبوقاحة غير مسبوقة، مسلحة بأدوات جديدة، وبمختلف أنواع التمويلات المعلنة والخفية، التي تستهدف تجميل الاستعمار وتبرير التدخل الأجنبي.
الحالة العربية المريضة التي بدأنا نرى تجلياتها في الواقع وفي الإعلام والسياسة، تتشابك فيها الكراهية الشخصية والمصالح الاقتصادية والنزعات الطائفية والعرقية، بإيقاع وقيادة خارجية (إقليمية أو دولية أو من خلال الطابور الخامس). وفي مقدمة ذلك التدخل الإيراني غير المسبوق في رسم مستقبل بعض البلدان العربية (التي كانت عربية قلبا وقالبا)، وبات مرحبا به في بعض تلك الحالات الشاذة، مع أن تسلسل الأحداث قد أغرق هذه البلدان في حروب أهلية، وانقسام مجتمعي غير مسبوق يمهد إلى تقسيمها.
يترافق هذا الوضع الشاذ مع التوغل الإيراني في مجريات الشأن العربي، بتواطؤ غربي وحتى روسي، لا يمكن تأويله أو تفسيره إلا بمنطق نظرية المؤامرة. فقد أدى هذا التشابك إلى النزول إلى جحيم الحرب الأهلية بالمعنى الحقيقي في عدد من البلدان العربية، بالرغم من أن أنصار النظام السياسي القائم في تلك البلدان، يسعون جهدهم لتفادي هذه العبارة مخفّفين من جسامة الأوضاع. ولكن عندما يقتل العرب بعضهم بعضا، وتبكي العائلات مفقوديها، وتلجأ المليشيات الى تصفية الناس خارج القانون، وعندما ينتهي الأمر بمناطق بأكملها إلى التمرّد من يأسها من السلطة المركزية، يجب الإقرار، شئنا ام أبينا، ان هذه البلدان العربية قد دخلت مرحلة التفكك وضياع كيان الدولة ووحدة المجتمعات.

الحال منصوب والحلم منهوب
سألني الصديق: كيف الحال؟
قلت من دون تردد، ومن دون أية نية للتنكيت: الحال منصوب يا صديقي!!
قال: أنا أسألك عن أحوالك وليس عن إعراب جملة؟
قلت: أحوالنا منصوبة أو في محل نصب، والحمد لله على من جعلنا منصوبين وأحوالنا منصوبة أو مجرورة في محل نصب! وجعل أحلامنا تضيق دوائرها إلى حد أصبحنا من دون حلم تقريبا.
قال: لماذا هذا التشاؤم؟ وهل يستطيع الإنسان أن يحيا من دون حلم؟! بل نحن العرب أمة حالمة أصلا. ولدينا من الأحلام ما يغطي السماء والأرض، فلماذا تجعلنا من دون أحلام؟
قلت: ليست المشكلة في الأحلام، المشكلة هي في نموذج هذه الأحلام حتى في حال وجودها. فللكل نموذج للحلم. وأسطورة ما، وحلم تجري وراءه العامة، ويزينه الساسة والنافذون قدر ما يريدون. والسؤال: هل حلمنا هو حلم الفقير الذي يبدأ من الصفر، ويصل إلى الملايين بفضل ابتكاره وعمله؟ أم حلم الكادح الذي يجد اعترافا وشهرة وتقليدًا من نظرائه في شمال البلاد وجنوبها؟ أهو حلم العصامي الذي يروم إنشاء إمبراطورية اقتصادية تغطي العالم؟ أو العصامي الآخر الذي يتجه إلى الخلود في بال الكادحين؟

قال الصديق: الجواب معروف... لا هذا ولا ذاك... طبعًا!!
قلت: نظرة من هنا وهناك، وحكاية مع حكاية، ودرس متمعن لمسار جيوش العائشين على رقعة الوطن العربي... كفيلة بإعطائنا بعض جواب. فالنموذج السائد حاليًا يمكن اختزاله في المعادلات التالية: كثرة استهلاك وقلة انتاج وقلة مشاريع... وقلة نتائج وقلة ناجحين... وقلة منتجين. فما أبعدنا عن الدكاكين التي بدأت صغيرة وتحولت فيما بعد إلى تروستات ضخمة... فلا أحد عندنا، يريد أن يبدأ صغيرًا... ولا أحد يقدر على ذلك أيضًا...... أما العمل والسهر والكدح... فالكل يعلم أنها لا تكاد تجدي لوحدها للوصول إلى القمم... فالعامل أو الموظف المجد، يمكن في أحسن الأحوال أن يفوز برتبة خادم باستمرار. والذين أرادوا أن يكبروا فتحوا لأنفسهم أبوابًا أخرى غير هذا الباب... لأنهم وجدوا أن الكفاءة والدراية والجدوى والجدية والإخلاص في العمل، لا وزن لها تقريبا إلا في أضيق نطاق... كما وجدوا أن أجهل واحد يمكن أن يعمل أفشل مشروع وأسخف فكرة يمكن أن يفتح أمامه باب الفردوس والمصارف والمحافل بمجرد اتصال. حلمنا (رأسمالي مشوه) نريد أن نربح من دون تعب أو مجازفة أو ذكاء... وأن نحافظ على الراتب حتى التقاعد، وعلى المعاش حتى الموت. منتهى الحلم عند الكبير والصغير يتجسد في مورد رزق سهل... لا تعب فيه ولا تفكير، ولا اضطراب، وكله ضمانات. الحلم ان تنام متى تشاء وتستيقظ متى تشاء، وتذهب إلى (العمل) متى تشاء... وألا تحتاج إلى وسائل النقل العام... وألا يدرس أبناؤك في المدارس العامة... وألا تدفن في المقبرة العامة، فهل هو حلم يا صديقي؟؟!!

همس
أرسم خارطة الذهاب للهباءِ،
أكتب الجَمَلَ القديمَة على قارعة الطريق الغافي،
فيجرفها الضباب.
أترشف لحن الغربة كل مساء،
نبيذا يراود الليل على نفسه،
أو هواء مهاجرا لأصوات الصدى
كبحر يعانق أمواجه الدجى.
«الجسر لا ينتهي يا صديقي،
فأين الضفة الأخرى؟».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها