النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

عواقب التقديرات الخاطئة

رابط مختصر
العدد 10581 الخميس 29 مارس 2018 الموافق 12 رجب 1439

تعلمنا دروس التاريخ، ومن بينها دروس التاريخ العربي، أن سوء تقدير الأوضاع، أو عدم الدقة في تقدير موازين القوى يمارس أدوارا مدمرة على الجهة التي لا تحسن التقدير، أو تفشل في إجراء حساباتها بشكل متوازن. ويقف وراء الفشل في الدقة في التقديرات مجموعة من العوامل أبرزها:
1.    شحة المعلومات، الأمر الذي يجبر من يقف وراء تقدير موازين القوى على اتخاذ قرارات تقترب من العشوائية التي لا تسندها المعلومات الضرورية التي تجعل القرار قريبا من الصحة. فشحة المعلومات قد تقود إلى ترجيح كفة قرار على قرار آخر، ربما يكون مناقضا له، ومن ثم يقود إلى استنتاجات مخالفة لتلك التي بني عليها القرار الأول، الذي قد تكون- أي القرار الثاني- نتائجه مدمرة، وفي حالات معينة يصعب التشافي منها. هذا يستدعي الجمع الصحيح لأكبر كمية ممكنة من المعلومات، ذات العلاقة بصنع قرار معين.
2.    خطأ المعلومات، أو عدم دقتها، حيث تكون مصادر المعلومات مضللة، ويسربها العدو او المنافس، بشكل واع كي يتمكن من إيهام غريمه بأكاذيب، يأخذها الأخير على انها حقائق سليمة. وهذه خدعة يلجأ لها الكثير من الأطراف المتصارعة التي تنشر بعض الأخبار التي تريد خصمها أن يقبل بها، فتكون طعما مدمرا على قوى ذلك الخصم، وعنصرا مسببا في إخراجه من دائرة الصراع أو المنافسة. ويحرص من يروج لتلك المعلومات الكاذبة أن يتدرج في تسريب الأخبار متحينا اللحظة المناسبة التي ينقض فيها على خصمه فيجرعه الكذبة الكبرى التي مهدت لها سلاسل الأخبار السابقة المتتابعة التي مهدت لتلك الكذبة التي تجعل الخصم يبني عليها استراتيجيته المناوئة بشكل خاطئ، تبيح لمن روج لتلك الأكاذيب أن ينقض عليه، وينفذ مشروعه الذي يقف وراء ترويج تلك الأكاذيب التي شجعت خصمه على الوقوع فريسة سهلة في شباكها.
3.     ضعف القدرة على التحليل، ففي بعض الحالات، ورغم غزارة المعلومات، المصحوبة بدقتها، لا يملك من تلقى تلك المعلومات عن الخصم القدرة على معالجتها على نحو جيد، بفضل ضعف مؤسسات التحليل التي بين يديه، كي تخرج منها بالنتائج المطلوبة التي تجعل صانع القرار قادرا على اتخاذ القرار السليم، وفي الوقت المناسب، وتنفيذه بالطريقة الصحيحة. ويزداد الأمر سوء عندما تشخصن دوائر صنع القرار على حساب مأسستها، فتتحول الخطط الاستراتيجية، إلى قرارات شخصية، تتحكم فيها العوامل العشوائية، والنزوات الفردية. ومن ثم تتحول انعكاسات ذلك القرار الخاطئ إلى ما يشبه كرة الثلج المتدحرجة التي يصعب إيقافها، أو الحد من سعة دائرة الدمار الذي تحدثه.
وتاريخنا العربي، بما فيه المعاصر، مليء بالمآسي، الناجمة عن العواقب المدمرة التي تقف وراءها التقديرات الخاطئة التي اتخذت بناء عليها قرارات استراتيجية، جاءت نتائجها مدمرة، ويمكن أن نستل منها بعض الشواهد التالية:
1.    هزيمة حرب 1967، والتي جاءت محصلة تقديرات خاطئة من القيادة المصرية التي لم تكتشف مدى تغلغل الفساد في المؤسسة العسكرية المصرية من جانب، والخطر الذي كانت تراه القيادة الصهيونية في الناصرية من جهة ثانية. فشل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، رحمه الله، في تشخيص الحيز الكبير الذي كان يشغله الفساد المستشري في صفوف قواته المسلحة، وفي أعلى دوائر صنع القرار فيها، وهذا يعني شح المعلومات التي كان يتلقاها ناصر، المصحوبة بتسريبات خاطئة مقصودة كانت ترشح إليه، قادته إلى اتخاذ قرار سحب قوات الأمم المتحدة الذي جعلت منه قيادة الكيان الصهيوني مبررا لشن حرب 1967، وكانت بداياتها تدمير سلاح الجو المصري وطائراته، التي كانت خزاناتها مملؤة بالوقود، وهي رابضة على مدرجات المطارات العسكرية.
2.    سوء تقدير آخر، يقف وراء اغتيال الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، الذي لم يقدر حقيقة مدى دائرة قراره الرافض للقبول بالتفريط في حق العرب عموما، والفلسطينيين خصوصا في القدس، ورفضه التسليم بالمشروع الصهيوني – الأمريكي الذي كان يدعو حينها لضم القدس لأراضي الكيان الصهيوني. أفصح الملك فيصل، رحمه الله عن رفضه الذي لن يتزحزح عنه عندما يتعلق الأمر بمستقبل القدس الشريف. ولم يستطع فيصل حينها ان يحسن تقدير ردة فعل الكيان الصهيوني، لتقديرهم الصحيح للمكانة التي كان يحظى بها فيصل في مؤسسات صنع القرار في العالمين الإسلامي والعربي، ودفع بفضل سوء التقدير ذلك حياته ثمنا لذلك القرار.
3.    سوء التقدير الثالث في التاريخ العربي الحديث، نلمسه في قرار الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين حين أقدم على غزو الكويت في مطلع التسعينات من القرن الماضي. لم يحسن صدام حينها تقدير قوة الكويت الدولية، بفضل مكانتها الاقتصادية، بشكل دقيق وصحيح، وتوهم، بفضل تقديرات خاطئة، أنها يمكن ان تكون لقمة سائغة. لكنه دفع شخصيا، ودفع العراق أيضا ثمن ذلك القرار المبني على تقديرات خاطئة، يتحملها اليوم الشعب العراقي الذي تحول من دولة قوية، لها مكانتها العالمية، ويحسب لها ألف حساب، إلى مجموعة من الجزر المتناثرة تحكمها قوى طائفية. يتحمل صدام حسين ذلك القرار المبني على تقديرات خاطئة، بما فيها وهم حيادية الأمريكان.
ولمن يريد أن يتعظ، بوسعه تصفح وقائع تاريخنا العربي المعاصر، كيف يكتشف كم القرارات العربية المدمرة، كان السبب المباشر وراءها هو سوء التقدير غير العلمي، وليس ما أوردناه أعلاه سوى مجموعة مختارة من قائمة طويلة من القرارات العربية الخاطئة والمدمرة، يقف وراءها سوء التقديرات التي قادت إليها واحدة من الأسباب الثلاثة المشار اليها في بداية هذا المقال. وهذا يتطلب، إن شاء العرب ان تأتي قراراتهم المستقبلية صائبة، ومن ثم تكون نتائجها المترتبة عليها غير مدمرة، أن يقضوا على الأسباب، بدلا من ان يعالجوا الأعراض، كما نشهده في العديد من الحالات العربية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها