النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

السياسة باعتبارها مضادًا للعنف

الحوار في إطار الشرعية لقلب الصفحة

رابط مختصر
العدد 10580 الأربعاء 28 مارس 2018 الموافق 11 رجب 1439

بالرغم من أن السياسة هي المضاد المعجمي للعنف واستخدام القوة، وبالرغم من كونها تستهدف في الغالب صنع التوافق والإجماع والتراضي المشترك بين مختلف التوجهات، ولذلك تعتمد الحوار بالضرورة، لأنه الأداة الرئيسية لتحقيق التوافقات، فإنها عند البعض لا تزيد عن توظيف «العنف» في المواجهة مع الخصوم، أو حرق للأخضر واليابس في لحظة فقدان الحس الإنساني. 

وبالرغم من أن الجميع يؤكد بأن من بين الشروط البديهية للحياة الديمقراطية الطبيعية عدم اللجوء إلى العنف لفرض رأي أو فكرة أو مطلب، مهما كان مشروعًا، فإن البعض ما يزال يفضل طريق العنف المادي أو عنف المعتقد لفرض الرأي أو الفكرة أو الموقف السياسي.

 وإذا كان يفترض (نظريا على الأقل) أن يكون «الحوار أداة أساسية للتفاهم داخل المجتمع الإنساني (الطبيعي)، فإن كل حوار في العمل السياسي العاقل يفضي بالضرورة إلى تسوية، والتسوية تكون في شكل حلول وسط بالضرورة، تجمع بين الثوابت الوطنية والمصالح العامة وقيم الحرية والعدالة والتجرد من الأنانية الفئوية قدر الإمكان.

مناسبة هذا الحديث عودة التصريحات التي تدعو إلى الحوار وتمجده، باعتباره الحل الوحيد لجل مشاكلنا. و«الحوار» هنا يأتي بصيغة تعميم لا يمكن أن يعترض عليه أحد، ولكنه عند البعض مجرد من التعريف، ومقيد بشروط تجعله صعب المنال، أو تجعل الدعوة إليه كالعدم، لأن شروط اقامته تعجيزية. لأنك في لحظة الدعوة إلى الحوار، لابد أن يكون التوافق هو المحطة الأخيرة، ولابد في هذه الحالة أن تكون حلول الوسط هي ما يمكن الحصول عليه، ولابد أن شروط إقامة هذا الحوار لا تتجاوز الثوابت المستقرة والقواعد الدستورية والقانونية.

البعض يدعو إلى الحوار الوطني انطلاقا من تحليل مفاده أن تفاقم الوضع واستمرار التأزم هو نتيجة لحالة«الجمود السياسي وعدم التقدم في فك عقد ملفات سياسية معروفة ومعلنة». ولكن تلك الدعوات، تبدو ضيق في الأفق، لأنها في لحظة الدعوة إلى الحوار، في صيغة تغليف مطالب محددة، بلغة مضطربة غير حاسمة، تعكس حالة التردد السياسي خارج (الهدف الوطني النهائي) بمعنى التئام الكلمة على حفظ السلم وتحقيق العدل والأمن للبلاد.

نعم الحوار ضرورة ولازمة من لوازم السياسة في كل وقت وحين، في السلم وفي الازمات، ومن دونه لا تستقيم الحياة السياسية بين الفرقاء أو الشركاء. إلا أنه لا يجب أن يستثني أحدا، ويقتضي بالضرورة وجود سياسيين محترفين يدركون معنى الحوار ومستعدين لتبادل التنازلات. وذلك لان السياسي المحترف وحده هو من يمتلك من الوعي السياسي والقانوني، ما يجعله مدركا للعواقب ولشروط العمل السياسي وحدوده، ومؤمنا بضرورة الوصول إلى الحلول الممكنة، ومستعدا للتراجع عن المواقف الخاطئة عندما يتبين خطؤها، أو عندما يتبين أن المصلحة الوطنية تقتضي التنازل أو التراجع...

ليست المشكلة إذن في الحوار في ذاته، حتى وان بدا صعبا في ظل غياب منطق المصلحة والاحتراف في السياسة والانفتاح على كافة المكونات والرؤى والتحرر من الغرور، لكن القضية هي ما الذي سيسفر عنه حوار كهذا، عندما يكون المتحاورون غير مستعدين للتزحزح قيد أنملة عن مواقفهم وشروطهم، ويقدمون مرجعياتهم واجتهاداتهم على أنها خط النار، ومفاتيح السحر لكل الأزمات الراهنة والمستقبلية. 

يتحدثون عن حوار ما، ولكن، ما يريدونه في النهاية هو التفاوض حول «عملية سياسية» سريعة تقبل في محصلتها النهائية السلطة مجمل نقاط البرنامج السياسي الذي يقترحونه، ويمكن التفاوض حول بعض التفاصيل والإجراءات والجدولة التنفيذية. ولذلك فإن أخطر ما في هذه الاطروحة هو رفض مبدأ التوافق الوطني، لأن مع التوافق يستحيل تمرير أي إصلاح من دون موافقة كافة الأطراف. ولان اي حل توافقي يتعارض مع فكرة تمرير المشروع السياسي، ولذلك يرغبون في خوض عملية تفاوضية ينفردون فيها بالسلطة على اعتبار ان بقية القوى.. والأخطر من ذلك هو رفض الإقرار بثوابت ميثاق العمل الوطني وما انبثق عنه من دستور ومنظومة تشريعية ومؤسسات، وكبديل عن ذلك يأتي العمل على الترويج لنوع جديد من «الميثاق» يعرض للاستفتاء ليكرس شرعية جديدة. ويكون مؤتى ذلك إعادة بناء منظومة سياسية وتشريعية تؤول إلى تحكمهم في مفاصل السلطة. ولتحقيق ذلك يحتاج الأمر إلى باقة من الإجراءات المعلن عنها، تؤول إلى التحول إلى النظام البرلماني الكامل. هذا هو الغرض النهائي للحوار في بعده السياسي والدستوري. ويتم بعد ذلك لفلفتة مخرجاته بتكريسها في شكل شعارات سياسية مفرغة من الشراكة الوطنية والوفاق الوطني الذي يضمن الاستقرار.

إن الهروب من مواجهة استحقاقات التوافق يعنى الإصرار على حل يرضي جهة واحدة وطرف واحد، ولذلك فإن القبول بالتفاوض سوف يسقط قوة ورقة التوافق التي تخدم استقرار المجتمع وتوازن أي حل سياسي. كما أن أي حل سياسي يؤدي الى إلغاء التوافق سوف يؤدي إلى الدخول في مرحلة المنازعات الطائفية، نتيجة للسيطرة الطائفية على الدوائر وتكريس رسمها على أساس الأغلبية الطائفية. وذلك لاحتمال سيطرة القوى الطائفية (من مختلف الأطراف) عديمة الجدوى والكفاءة في التشريع، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من كوارث سياسية ومجتمعية (لأن التشريع في هذه الحالة يمكن ان ينقلب على الثوابت والدخول مرحلة التخبط بل وإمكانية تحويل الدولة إلى دولة ثيوقراطية بالكامل استنادًا إلى ما يمكن ان يقرره برلمان طائفي، تسيطر عليه المرجعيات الطائفية). كما أن القبول بفكرة الحكومة المنتخبة في ظل مجتمع منقسم طائفيا، من شأنه أن يفضي إلى التحول إلى نظام المحاصصة الطائفية، وما يعنيه ذلك من إمكانية تعطيل المرفق العام، والدخول في أزمات متواصلة وتكريس دائم للطائفية السياسية، وحرمان البلاد من الكفاءات والخبرات الوطنية، فضلاً عن الدخول في مرحلة السجالات التي لا تتوقف. وعليه، فإن أي حوار حقيقي-وهو المطلوب أصلا-لا بد أن ينطلق بداية من الثوابت التي اجمع عليها الناس في ميثاق العمل الوطني، وبعد ذلك بالإمكان الاتفاق على أي أمر آخر يلبي طموحات المجتمع في الإصلاح والتطوير، بعيدًا عن تكريس الطائفية السياسية، وتقسيم المجتمع أو الزج بالخارج في الشأن الوطني.

وعليه، وبالرغم من التأكيد على أهمية الحوار في الحياة السياسية، فإنه يجب ربطه بالضرورة بالثوابت، لتحقيق المصالحة والتوافق الوطني والمضي قدمًا نحو حلول وطنية على قاعدة: الشراكة والمواطنة المتساوية في دولة مدنية، تحترم الجميع..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها