النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

يوم الشعر العالمي

رابط مختصر
العدد 10576 السبت 24 مارس 2018 الموافق 7 رجب 1439

يعود إلينا اليوم العالمي للشعر وهو يواصل انحساره الذي بدأ منذ سنوات ليست قليلة. وكان الشعر منذ العصر الجاهلي يتصدر أنواع الأدب الأخرى في البلاد العربية، ولم يطغ عليه نوع آخر على مدار عقود، حتى الرواية التي بدأت في الصعود التدريجي منذ النصف الثاني من القرن العشرين لم تستطع أن تطغى على الشعر، فهو متكرس في الثقافة العربية والوجدان الجمعي للأمة. 

لكن المفارقة كانت حين انحسر الشعر في وقت موازٍ لصعود الرواية. المزاحمة الروائية للشعر بدأت هادئة في التسعينات الماضية، لكنها تسارعت في القرن الحادي والعشرين حين اكتسحت الرواية كل الأنواع الأدبية، وشهدت رواجا غير مسبوق، وازدادت كما، وتفوقت نوعا على الرواية التقليدية التي كانت رائجة في النصف الثاني من القرن الماضي، لتترك الشعر في زاوية راحت تضيق مع الوقت بشكل غير مسبوق أيضا. تبدو هذه التحولات في الأدب (راديكالية)، وتضع سؤالا ملحا علينا في المناسبة العالمية للشعر التي صادفت يوم 21 مارس؛ ما الذي حدث للشعر؟ 

ولمَ اتسعت المسافة بينه وبين القرّاء حتى توقف الناشرون عن طباعة دواوين الشعر خوفا من الخسارة المادية، فيما أقبلت هذه الدور على طبع الرواية التي تشهد قراءة غير مسبوقة أيضا؟ جريدة الشرق الأوسط استأنست بآراء الشعراء في مصر حول ظاهرة الانحسار الشعري، فماذا قالوا؟ 

بعض الشعراء يقولون إن طبيعة الشعر الحديث نخبوي تفضله الشرائح المثقفة، ولا يستوعبه القطاع الواسع من الناس محدودي الثقافة. هذا صحيح الى حد ما، لكن انحسار الشعر له أسباب أخرى لا نستطيع تجاهلها، منها الغموض الذي يغطي مساحة ليست قليلة من الشعر الحديث الذي لا يستوعبه القارئ العربي ذو الثقافة البسيطة، ومنها دخول الكثير من كتاب الخواطر الى دائرة الشعر مع انتشار شعر النثر الذي راح يؤسس مساحة واسعة من الكتابة الشعرية. 

هكذا واجه الشعر أكثر من سبب طارد للقراءة، بخاصة في مجتمعات مازالت ترزح تحت وطأة الأمية، فالشعر هو النوع الأغنى في الكتابة، وعندما جاءت الرواية لتزيح الشعر فهي استخدمت أسلحته الشعرية واللغة الشعرية، فالمجاز هو لعبة الشعر أولا، والتأويل هو لعبة شعرية، والتكثيف هو ميزة شعرية. وعندما أخذت الرواية عدة الشعر لتغذي بها السرد، وتعمق المعنى، سلبت الشعر خصائصه، واحتفضت بالمبنى الروائي، فشملت الاثنين؛ الرواية والشعر، فيما لا يستطيع الشعر أن يستدرج الرواية ويحتويها، إذ ليس التكوين الدرامي من صلبه ولا التفصيل. وظلت الرواية من بعد نجيب محفوظ تتأرجح فترة من الوقت، فلم يكن لها رواج كامل كما هي الآن. انتقال الشعر بشكل كبير واسع الى حقل السرد (شعر النثر) عزز مكانة الرواية، إذ لا داعي للتفعيلة ليكون السرد شعريا، فالسرد في الرواية يتضمن الشعر، وعبر مئات الصفحات تترصع الرواية برداء الشعر، وتلبس عباءته، ففي السرد الروائي أماكن إضاءة كثيرة، ومواقع شعرية متفرقة. الانحسار الشعري عندنا نحن العرب بدا واضحا في مصر، ربما أكثر من مكان آخر.

وفِي معرض القاهرة الأخير للكتاب، نقلت الهيئة العامة للكتاب التي تشرف على المعرض الأمسيات الشعرية التي كانت تقدم في السنوات الماضية في القاعة الرئيسة الكبيرة الى مخيم جانبي ضيق غير مهيأ للأمسيات، مما أغضب الكثير من الشعراء، وعلى رأسهم أحمد عبدالمعطي حجازي، وعن ذلك العزل والمنفى قال الشاعر حسن طلب: «مهزلة الأمسيات الشعرية التي شهدناها في معرض الكتاب، إذ قام رئيس الهيئة ومساعدوه بنفي الشعر الى قارعة الطريق». 

لكن لم يكن ممكنا أن يحدث ذلك في السبعينات مثلا حين كان للشعر جمهور غفير. الشاعر سفيان صلاح انتقد تضييق حيّز الشعر في الصحف والمجلات الحكومية؛ وقال: «الشعر الآن أصبح غريبا والصحف أقلعت عن نشره وكأنه من الممنوعات». وفي الفترة الأخيرة توقفت مجلة الشعر المصرية، وتوقفت الصفحة الأدبية في جريدة الأخبار، وفي جريدة الأهرام اقتصرت مساحة الشعر على حيّز صغير، هذه الإفادة نقلها مراسل جريدة الشرق الأوسط في القاهرة عبدالرحمن مقلد الذي يقول: «يكاد يكون النشر الحكومي مغلقا في وجه الشعر، فلم تتعد الدواوين المنشورة في سلسلة (الإبداع الشعري) في الهيئة العامة للكتاب فيما يقرب العامين من تأسيسها، عدد أصابع اليد الواحدة». من جانبه يقول الشاعر عاطف عبدالعزيز: «ما من شك أن هناك انحسارا واضحا في حجم منشورات الشعر في المؤسسات الثقافية الرسمية، مثل الهيئة العامة للكتاب، وقصور الثقافة، والمجلس الأعلى للثقافة». وإذا كان الشعر يشهد انحسارا في المراكز العربية الكبيرة، فهو يشهد شيئا مماثلا في الأقطار العربية الأخرى. في أواسط الأربعينات من القرن الماضي كتب الشاعر والناقد محمود عباس العقاد مقالا يهاجم فيه الرواية ويرفع من شأن الشعر الذي رَآه أرقى منها وقال: «إن معدن الشعر أنفس وأغنى من معدن الرواية»، وأضاف مشبها السرد الروائي بالحديد والشعر بالذهب «الحديد نافع في المصانع والبيوت، لكنه لا يشترى بثمن الذهب». 

الروائي الجديد آنذاك نجيب محفوظ خريج جامعة القاهرة قسم الفلسفة رد على العقاد قائلا: «لقد ساد الشعر في عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر؛ عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتما الى فن جديد يوفق بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم الى الخيال»، ويضيف نجيب محفوظ قائلا عن الرواية: «إنها شعر الأزمنة الحديثة». يقال إن الأدباء يتنبؤون، وقد صحت نبوءة نجيب محفوظ التي قالها في أواسط الأربعينات من القرن الماضي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها