النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10908 الثلاثاء 19 فبراير 2019 الموافق 14 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:07AM
  • المغرب
    5:33AM
  • العشاء
    7:03AM

كتاب الايام

عندما تكون قلوبنا وعقولنا وأرواحنا جميلة

رابط مختصر
العدد 10576 السبت 24 مارس 2018 الموافق 7 رجب 1439

تحدثت في ليلة سمر امتدت حتى الفجر؛ فجر القاهرة الساحرة الجميل، مع بعض الأصدقاء عن الجمال ومضمونه ومعناه، وهل الجمال هو ما ترصده العين كجمال الطبيعة او جمال وجه القمر او جمال امرأة مثلاً؟ أم جمال الروح، أي ما يبطنه الظاهر وما يضطرنا الى الغوص في داخل الإنسان. الجمال لدينا جمال المعشر أو ما يسمونه حلو المعشر، وجمال الزهور والألوان والفنون والشعر والقصائد، فجمال الزهور وتنوعها اللوني ينعشنا ويمنحنا التفاؤل بالحياة، وهكذا الألوان التي تشعرنا بأن الحياة جميلة ويجب أن نعيشها، ناهيك عن حبنا نحن العرب للغة الضاد وكل ما تحويه من جمال، ولهذا أبدعنا في الشعر وفنونه وتنوعت لدينا القصائد ما بين غزل ومدح وجمال، وبطبيعة الحال لم نتحدث عن قصائد الذم وهي كثيرة في تاريخنا أيضا.

 وللحق أقول إن الحديث عن جمال المرأة استغرق وقتًا كثيرًا من الجلسة، حتى أبدعنا جميعًا في هذا الجمال، بل الحديث عن جمال روح المرأة استغرق معظم الوقت، خاصة عندما تطرقنا الى ثقافتها، وتحدثنا عن جمال الظاهر والباطن، والفارق بين الوجه والروح، الطلة والقلب. 

فقد أسهبنا في حديثنا، وسأكتب ملخصًا عما رويناه دون تحديد من القائل حتى أعفي الكل من المسؤولية أمام أسرته وذويه وزوجته. وخرجنا جميعنا بأوصاف جديدة للجمال وتعبيرات أجدد، ليس جمال المرأة فقط بل الجمال عمومًا، جمال الكون والطبيعة والخلقة والمخلوقين، فما أعظم الخالق في خلقه الجميل. فمن يمعن النظر في بعض طيور الزينة لا يسعه إلا شكر الخالق، وتخرج من فمنا «سبحان الله في خلقه»، وعندما تقع أعيننا على زهرة موردة ومتفتحة حديثا نجدنا نسبح بعظمة الله الذي أبدع هذه الزهرة، فالجمال ينبوع من السعادة لا ينضب، لكن بشرط أن نعرف كيف نكتشف هذا الجمال ومكامنه. فالجمال مثل الزهرة، في عطرها، فنحن نحب الجمال نفسه والزهرة في الوقت نفسه حتى قبل أن ننعم بالعطر، وفي حواراتنا عن الجمال، تذكر أحدنا الأسماك وما تحويه من تنوع لوني لا يستطيع أشهر فناني العالم أن يتخيله أو يرسمه.

 واكتشفنا أن التفاول نوع من أنواع الجمال واليقين بأن الحياة تستحق أن نعيشها، فطالما الحياة تزخر بكل ما هو جميل وحسن فلم لا نحياها ونستمتع بحلوها؟ فالوجود نفسه جمال، لماذا؟ لأننا نرَ الجمال في كل جزء فيه. والحب جمال؛ لأنه عندما نحب نرتقي بروحنا ونسمو بها ونرى ما لا أعين رأت من قبل، وتختلف نظرتنا سواء بالعين أو بالقلب؛ لأننا في هذه الحالة نرى الجمال الداخلي أو جمال الروح الذي لا يخدع ولا ينتهي، فهو دائم مثل الكون. وإذا كانت عين المحب أو نظرته إلى حبيبته تكون نظرة جميلة؛ فهذا لأنه يريد هذا الجمال وهذا السمو، فالجمال والحب متلازمان حتى وإن كان الحب قصيرًا. فالحب قبل أن يكون مشاعر جميلة هو الجمال نفسه؛ لأنه يجمع ما بين روحين جميلتين، فهذا ليس جمال الشكل حتى ننخدع به، بل جمال الداخل الذي لا تراه سوى الروح. وجمال المرأة ذاته لا يتمثل بجمال طلتها أو قدها الفتان أو عيونها الغزلانية فقط، وإنما جمالها الحقيقي والدائم ينبع من كون روحها مرحة ولطيفة تأسر الألباب. وقد قيل في جلستنا: «إن أحسن الحُسن هو حسن الأدب، وإن أجمل الجمال هو جمال القلب»، هذا بغض النظر عن المغرور دومًا بالجمال الذي قال إن الفتاة الجميلة تحمل مهرها على جبينها، وإن كان تعرض هذا الصديق لبعض النقد من الحاضرين، وكان مما قيل اعتراضًا على رأيه إن المرأة الجميلة لا تعطي أكثر مما لديها، في حين أن المرأة حلوة المعشر والمجلس والروح تحمل عذوبة في الحديث وتمنحنا إكسير الحياة كمياه النهر الصافي، وأضاف بعضنا أن الفتاة أو المرأة ذات الروح الحسنة تشع حسنًا وتضيء ما حولها حتى لو غاب الجمال الظاهر عن وجهها.

 ثم الأهم من كل ما سبق، أن الجمال ليس نظرة وإنما شعور وإحساس ورضا نفسي، فالرضا يضيء وجه الإنسان ويمنحه قوة إضافية بسبب شعوره بالتفاؤل والقوة، فالجميل من يرى الدنيا جميلة وصبوحة ومشرقة. 

 والحق أقول إني كنت مشاركًا ومستمعًا حتى انتهى مقطع الجمال الأنثوي، لكني استأثرت لنفسي بالحديث عن جمال نهر يتدفق منذ آلاف السنين، يقطع آلاف الأميال من وسط أفريقيا حتى يصب في بحر مصر، إنه نهر النيل الذي أسكن بجواره ويسكن هو قلبي، وأراه رمزًا من رموز الجمال والخير والنماء لكل ما يعيش في واديه الرحب، فوديانه وجداوله وقنواته وتفريعات تتمدد عبر مدن دلتا مصر حتى يمر بمنطقة سكناي بالقاهرة ليطل علينا بهيًا صافيًا، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إني أسمعه يتغنى بحبه لمصر والمصريين ولكل من يطل عليه ويعيش على ضفافه. فقال فيه المؤرخ اليوناني هيرودوت: «يتمتع المصريون في الحياة بمشفى طبيعي، تربة نقية وجو متجانس»، يقصد النهر ومياهه العذبة الذي مد المصريين بقوتهم وغذائهم وقمحهم وشعيرهم وأرزهم وبردياتهم، وزهرة اللوتس رمز حياتهم الفرعونية، فالنيل هو الجمال بعينه، حتى قيل إن الملكة كليوباترة تجملت بطميه، فنيل مصر لون حياة شعبها، وأشعل خيال شعرائهم الذين تغزلوا في مياهه وصفائه ولونه الذهبي وقت الغروب، هذا الصفاء الذي منح المصريين روحًا معنوية وخصوبة لا تنضب، فالنيل جمّل حياة هذا الشعب ومنحه طاقة يتفاخر بها على مر العصور، فكان عنوانًا للحب والجمال والحياة. فالنيل هو عنوان مصر بجانب الأهرامات، فشواطئه وأشجاره على مدى مساحاتها المترامية تزيّن جانبيه مما رسخ علاقة أبدية بينه وبين الإنسان، ويكفي لناظري النيل أن يستمتعوا بليل القاهرة الساحرة الرابضة على هذا النهر الخالد.

  وختامًا لجلسة الجمال، فإن جمال العقل يرتبط بالفكر وجمال الروح يترافق مع الشكر، وجمال اللسان هوالصمت، وجمال القلب يكون دائمًا بذكر الله، وجمال الكلام بالصدق، والجمال هو ابتسامة الحياة عندما نستبشر بها؛ لأن الجمال الحقيقي هو جمال الوجود الذي يشرح صدورنا، ولهذا فالجمال حولنا في كل مكان ما حيينا، لكنه مرهون برؤيتنا له ومدى استشعارنا به، فالجمال نجده في حلو الكلام، أي الألسنة، وفي القلوب والأعين والمعاملة الحسنة، فالدين المعاملة، ونجده في ابتسامة طفل يرى الحياة مشرقة ويجعلنا نشعر معه بإحساسه نفسه بالحياة، فالمطلوب من الإنسان أن يكون جميلاً كي يرى ما حوله جميلا في هذا الكون، وأن نحب الجمال في الآخرين حتى يروا هم ما بداخلنا من جمال، فجمال الحياة أن نراها بقلوبنا. وعلى سبيل المثال، نعلم أن الفجر عندما يبزغ على الدنيا يبدأ اليوم في الإشراق وتكون أشعة الشمس على أهبة الانتشار لتضيء لنا الكون، فالفجر إذن جميل لأنه يشعرنا بجمال اليوم الآتي إلينا توًا، ومن جمال الفجر أنه يأتي بعد ليل دامس الظلام أو على الأقل شبه ظالم إذا كانت لياليه قمرية، والفجر هنا هو النور الذي يأتينا من بعيد وننتظره ليأتي إلينا بخيراته وحبه وإشراقاته، فالزهور تتلألأ فجرًا، والندى يتساقط فجرًا، فالفجر يطل علينا بالفرح والسرور والسعادة والابتسامة، ندركه بضوء وفرح في قلوبنا. ويكفي القول إن كل جماليات الحياة حولنا لا تساوي شيئًا ما لم تكن نظرتنا إليها جميلة. ولعل من الجمال ألا نجرح أحدا بالكلام حتى لو اعتذرنا لاحقًا؛ لأن الكلمة الخبيثة ستبقى ندوبها مرسومة في الذاكرة حتى لو اعتذرنا.

 

قبل الأخير..

 ومن الجمال أيضًا أن نرى سيدة مسنة مصرية تتبرع بكل ثروتها وما تملكه من ذهب لصندوق «تحيا مصر» الذي خصصته مصر للإسهام في المشروعات القومية الكبرى، فكان مشهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وهو يستقبلها بقصر الرئاسة مؤثرًا للغاية، ينم عن جمال روح هذه السيدة التي لم تبخل بما تملكه من أجل مستقبل وطنها.. والأجمل هو الحديث البسيط الذي دار بين السيدة والسيسي، إذ نقلت إليه دعواتها له بعد صلاة كل فجر بأن يجعله المولى عز وجل منصورًا ويحفظه وينجيه، فهو الذي نصر مصر وجعلها تقف على قدميها. ويستمر الحديث البسيط ليسألها رئيس مصر أن تروي له حكايتها، فقالت السيدة العظيمة: «إن أولادها الأربعة ينفقون عليها كثيرًا، وهي تدخر كل الفائض الذي تبرعت به». وتعهدت بأن يزيد مبلغ تبرعها العام المقبل، والجميل أيضا أن السيدة التي حققت أمنيتها الغالية برؤية رئيسها قالت له في أثناء الجلسة إنها من كثرة شوقها لمقابلته ورؤيته كادت تكسر التلفزيون، في دعابة رقيقة منها. ونقلت السيدة إلى رئيس مصر دعوات أولادها وجيرانها وبلدتها.

 الحوار لم ينتهِ، إذ أعرب لها الرئيس المصري عن سعادته بجمال صنيعها، مؤكدًا لها أن دعواتها ودعوات أهل مصر كفيلة بنصرة البلاد من أي شر.

 

كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها