النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

قراءة أولية حول «مارس 65»

رابط مختصر
العدد 10574 الخميس 22 مارس 2018 الموافق 5 رجب 1439

في كل عام من شهر مارس نخرج رؤوسنا من تحت التراب كالنعامة لنتذكر احداث انتفاضة مارس 1965 المجيدة، ونظل نردد ما تم ترديده بنهج «الاجترار»، فلعل خداع الذات تعويضًا عن الخسائر والهزائم والنجاحات والاخفاقات، فذلك ديدن الساسة المولعين بتمجيد الذات فنقد اية انتفاضة سور لا يحق لاحد تجاوزه، فنقد سلبية الانتفاضة والاخطاء هو نقد قادتها وقواها التي كانت وراء مأساة ومصير شعب - حتى ولو كانت النوايا طيبة - فالعبرة بالنتائج والمآلات. 

في كل ادبياتنا السياسية التاريخية، كنا نقف عند محطتين تاريخيتين في انتفاضات وحراك الشعب البحريني، وقد كانت حركة عام 1956 وعام 1965 منعطفا نستعيد فيه تاريخا قابلا للنقض والتنقيب والنقد واعادة القراءة المستمرة. فمع تقدم الوقت يكتشف كل باحث ومهتم من خلال قراءات جديدة زاوية رؤية ومعطيات لم يرها جلية في السابق، او ان حماستنا اغشت عيوننا واقفلت عقولنا، بحيث لم يكن بإمكان ذلك الدماغ التأمل بشكل هادئ. اليوم يضاف لتلك الانتفاضة الشعبيتين انتفاضة عام 2011 والتي يسعى اصحابها ومفجروها وصفها عنوة بـ«الثورة!!» أما عن جهالة بفهم نظرية الثورة وقوانينها، او محاولة دعائية لتزييف حقيقة التاريخ لمنح ذلك الحراك قيمة اكبر وسقفا اوسع مدى من حجمها ومضمونها الطبيعي طبقيًا وسياسيًا، بطرح اسئلة اساسية حولها دون توتر وانفعال لا يقودنا لنتيجة مفيدة وفعالة للجميع. 

استوقفني سؤال مهم حول الانتفاضات الثلاث «دون حاجة التوقف للتسميات»، هل الانتفاضات الثلاث ناتجة عن عامل خارجي او داخلي؟ دون شك حين تنفجر الانتفاضات بالضرورة تكون هناك في اي بلد حالات من الاستياء والسخط السياسي الموضوعي، وهي حالة الغليان المتموجة، ولكن العامل الخارجي قد يكون محركًا اساسيًا لتلك الجذوة المتقدة تحت قشرة المجتمع. وحدها انتفاضة مارس 65 كانت نتاج عامل داخلي بحريني بحت بسبب تسريح 500 عامل من شركة بابكو، بينما حركة 56 سبقتها صدامات طائفية في المناسبات، وفي شركة بابكو، ولكن المحرك الخارجي العروبي القومي الناصري كان نموذجا سياسيا وتحرريا، وحماسة الشعب البحريني وتعلقه بثورة 1952 ظلت مشتعلة ومتواصلة، هذا النموذج الوطني والتواصل بين قيادة الهيئة ونظام عبدالناصر ظل كالسقالة التي يعتمد عليها عقل وقيادة الهيئة وحماس ووعي القاعدة الشعبية. 

تلك الظروف والمناخات كانت متهيئة للانفجار الشعبي الكبير سبقته حراكات وتجمعات، ولكن العدوان الثلاثي على مصر خلق «ربيع الاستجابة القومية الشعبية»، فتضامن الشعب البحريني مع الشعب المصري ونظام عبدالناصر، وتحول التضامن الشعبي نحو حراك داخلي سياسي متمركز في مواجهة النظام والتشديد على رحيل وجلاء الانجليز تيمنا بجلاءهم من مصر عام 1954؛ لهذا فالمؤثر الخارجي للثورة الناصرية من52- 54-56 كان يختمر بهدوء تارة وبانفجارات تارة اخرى؛ لذا لم تسبق حركة سياسية في البحرين بحجم حركة الهيئة قبل عام 1956، فقد باتت (الجمهورية والانقلاب) في مصر، بؤرة ونموذجًا للنظام الجديد ومحركًا لحركات التحرر العربية. 

فيما انتفاضة 2011 بسماتها الطائفية وتيارها الديني، شهدنا كل حراكه التاريخي ناتجًا عن دفع وعامل خارجي، فرياح ثورة ايران عام 1979 ألهمت الشارع العربي بما فيه البحرين، كونها ثورة شعبية وطنية اسقطت نظام الشاه الاستبدادي. لذا رياح الاحتجاجات في البحرين 79-1981 ستكون خليطًا شعبيًا وطلابيًا نابعًا من عامل خارجي. ومع انحراف وخطف الملالي مشروع ثورة ايران الوطنية، سيخرج رأسه التيار الديني في البحرين بتحريض واضح ومستمر من ايران، حيث توجهت الثورة نحو التصدير وهي نابعة من رؤية خارجية بادوات محلية في البحرين، وقد ظلت كل الحراكات والمحاولات الانقلابية منذ عام 1981 لغاية عريضة التسعينات محتواها مطالب محلية ثم تحولت الى (ثورية انقلابية)، غير انها لم تكن قط نابعة من رؤية وتوجه داخلي معزول، وانما كانت طهران هي من تحدد وتدعم هذا الحراك المستمر بهدف استنزاف النظام وإشغاله ومشاكسته، فليس بالضرورة – وهذا ما تدركه ايران – يصبح لديها قدرة كافية على اسقاط النظام في البحرين، كما يتوهم ضيقو الافق سياسيا في قراءاتهم لمعنى موازين القوى في قانون الصراع بــين الشعب والـسلطة، بين الانتفاضة والنظـام. 

بتمعن بسيط نجد كل تلك السنوات، بات فيها مصير الحركة الدينية بتوجهاتها المذهبية مرهونًا بزر حكومة الملالي، ورغبتها في زج المنطقة لصالح اجندتها في الصراع الاقليمي، ولتكن البحرين ساحة مواجهة ومتراسًا ايرانيًا للسعودية كخطوة فعلية ظاهرة ومستبطنة. أما انتفاضة وحراك عام 2011 فلا احتاج لبرهنة حقيقة العامل الخارجي لمحاولة تحريك التناقضات الداخلية عنوة كتقليد لرياح تونس وميدان التحرير. 

هكذا مرة اخرى نستورد فعلاً وعاملاً خارجيًا، دون ان نستوعب مدى تطابقه مع الظروف الموضوعية الداخلية لمشروع ثورة واسقاط نظام وتوفر شروطه وأدواته الكافية، غير ان المنتفضين كانوا مسلوبي الارادة والرؤية فمن يفكر عنهم ويقودهم هي ايران وتستنفرهم قطر عبر قناة الجزيرة. من هنا تسقط أية حركة غير ناضجة في فخّ الوهم بقدرة العامل الخارجي تغيير موازين الداخل بكل بساطة. وهذا هو عيب الحركة الدينية لعدم تملكها نظرية ومنهجًا نقديًا حقيقيًا، فالاعمى لن تفيده عصاه في اكتشاف الظلمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها