النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

أزمة مثقف أم أزمة ثقافة.. «المبدئية» في مواجهة «النفعية»!

رابط مختصر
العدد 10573 الأربعاء 21 مارس 2018 الموافق 4 رجب 1439

في أجواء التردّي التي يعيشها الإنسان العربي المحبط بالهزائم والانكسارات، والمهدّد في حياته ووجوده الإنساني وإرادته الحرة، فإن المثقف الذي يعلو فوق ذاته ويرفض الخضوع لحسابات الربح والخسارة في تحديد موقفه، وتصحيح مواقفه على ضوء المراجعة والتقييم، هو المثقف الذي يحتاجه مجتمعنا في هذه المرحلة.

وإنه مما يدعو للأسف أن عدوى العقلية النفعية المباشرة قد انتقلت إلى القوى المثقفة التي كان يفترض أن تكون نموذجاً للمبدئية ضد حسابات الربح والخسارة، والتي كان يفترض إن تساهم في تربية الناس على إخضاع المصلحة الخاصة للمصلحة العامة. فكان أن نكست هذه القوى رايات المبدئية ورفعت رايات الانتهازية المباشرة وغير المباشرة، ورايات الغوغائية التي لا تستحي من شيء، ولا تخجل من أفعالها القبيحة. وكان أن روجت لخطاب ثقافي جديد باسم (الواقعية) أحياناً، وباسم (العقلانية) أحياناً و(بالموضوعية) في أحيان أخرى، من مواجهة المواقف المبدئية التي تتعلق بمصير الأمة، والدفاع عن الأرض والأوطان، في مواجهة مشاريع الغزو والهتك والعدوان والتآمر.

البنية الثقافية للخوف هي ما قد يفسر جانبًا من جبن المثقف واحجامه عن لعب دوره في اللحظات التاريخية الحرجة، ولكن الذاتية والانانية والمصلحية تلعب دورًا لا يقل خطورة عن بنية الخوف.

فالمثقف قد يتردد في مواجهة استحقاقات الواقع ومتطلبات الموقف الفكري والسياسي في ذات الوقت، فهو يخاف من مواجهة القوى الاجتماعية والسياسية الفعالة، فيجاريها او يسكت عنها أو يجاملها، أو ينسحب الى غياهب الصمت مفضلاً التظاهر بالتعالي على «سفاسف الصراع الاجتماعي والسياسي»، وهو يرى قوى التخلف والغوغائية والتخلف تتغلغل في اوصال المجتمع، وسلب الناس وعيهم.

إن المثقف لا يكون مؤثرًا إلا إذا كان ملتزمًا بالتعبير عن حركة التاريخ ومضطلعًا بمهمة التنوير، ومستقلاً (عن الطمع والهوى)، ولن يكون مستقلا إذا كان مسلوب إرادة العقل، وإذا عاش في الركاب صار بوقًا، يلحقه ما يلحق المتبوع من انتكاسات ومن عداوات طالما أنه يتطابق معه ويتماهى معه، ولا تقل خطورة مثل هذا الموقف الانسحاب الصامت من الحياة الفكرية والثقافية والسياسة عامة، أو اللامبالاة كعنوان للتدمير الصامت للذات، لكيلا يسهم المثقف في الحياة.

ولذلك لم يكن غريباً، في ظل وضع كهذا، أن تتفشى ظواهر شاذة ومدمرة، مثل التناقض بين القول والفعل، وبين الموقف المعلن والممارسة في الوقع، حتى نشأت أزمة ثقة بين الجمهور وبين هذه الفئة من المثقفين، وهذا ما يفسر أن الجماهير تبدو بلا قيادة واعية مثقفة لها كلمتها ومصداقيتها. ولذلك لا غرابة أن تصبح فريسة للقيادات الطائفية الجوفاء والغوغائية.

إن المثقف الذي يرفض (المصلحية) الضيقة، والنفعية المباشرة، وينحاز إلى المبدئية الصادقة، ويجعل من القضية العامة الأولوية على القضية الخاصة الضيقة، هو المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى. المثقف الذي لا يلتزم إلا بالحقيقة ولا يشعر في ذلك بالتزام إزاء أي مرجعيات (دغمائية) وإنما إزاء الناس والتاريخ. هو المطلوب لترسيخ القيم واستعادة الثقة في الإنسان العربي والقدرة على تشكيل موقف نقدي من كل ما يطرح عليه، ومن كل ما يراد صبه في عقلة ووجدانه. فبمثل هذا الموقف النقدي يستطيع الإنسان العربي أن يواجه تلك الهجمة التي تستهدفه في وعيه ومشاعره ومصيره، بمثل هذا الموقف النقدي يستطيع أن يردع كل ادعاء بالوصاية.

ولا شك أن تشكيل هذا الموقف النقدي ليس بالمهمة السهلة، فهو يحتاج إلى الكثير من المعرفة والصدق وإنكار الذات والشجاعة، وتشكيل هذا الموقف يحتاج أيضاً إلى مناخ من الحرية، مناخ خال من الخوف والتردد والحواجز التي تمنع مرور المعرفة والفكرة النيرة الحرة، مناخ يسمح لكل فكرة أن تعبر عن نفسها مهما كان شكلها، بكل حرية.

ولنتجاوز هذا الوضع مشين الذي نعيشه في الوقت الحاضر، فإن مراجعة الذات ضرورة، والاعتراف بالخطأ أساسي وضروري والعمل على تصحيحيه أمر في غاية الأهمية.

ان المعركة هي معركة الجميع، معركة الدفاع عن امن المجتمع واستقراره وتنميته وحريته وحداثته في ذات الوقت، ولذلك فإن الذي يتخلف عن الوقوف مع الوطن ومصلحته يكون قد تخلف عن أداء رسالته. 

 

قول على قول

 

تعقيبًا على ما أوردته على لسان أحد القراء في المقال السابق، بشأن العلاقة بين التعدد والحرية والديمقراطية وردني تدقيق من ذات القارئ المحترم جاء في موجزه: «ما كتبت إليكم إلا تفاعلاً مع ما قد بادرتم بكتابته، وما تفاعلي معه إلا اعتداد به وتقدير لصاحبه وللأهمية التي أراها لمكتوباته في مشهد صحفي قلما استثار اهتمامي. وبعد هذا، أشكرك على ما أغدقته على من كريم الإطراء، وإني لأرى صاحبك -على كثرة مثابرته في القراءة والتفكير- أبسط من ذلك وأدنى. والخلاصة أنني أحب أن أقرأ لكم، وتقديرًا وإيمانًا تجاوبت فعقبت.

ومع ذلك، أرى أن التعقيب الثاني الذي أوردته في مقالك ونسبته إلى أحد الأكاديميين، كان محقًا فيما لفت إليه؛ إذ أن التعدد (plurality) لا يدار مواطنيًا (طبقًا لمنظور المواطنة وفلسفتها) إلا إذا تأسست هذه الإدارة على ثقافة تعددية (pluralistic culture/‏pluralism)، أما إذا كانت البيئات (الوطنية وما دون الوطنية) والحواضن (الاجتماعية والإيديولوجية) غير تعددية (أي أحادية) فلا فرصة لوجود (فضلاً عن ازدهار) الحرية والديمقراطية. أما التعدد فإنه - متى وجد في مجتمعات هذه حال بيئاتها وحواضنها - يصبح، ضمنها وبسببها، خميرة لظهور الانغلاق والانعزال والانقسام والتفكك والانفصال، ولظهور التعصب والاستعلاء والكراهية والتطرف، ولنشوب الصراع والعنف اللذين قد يصلان حد المواجهات لا قدر الله. فلقد كان مهما جمعكم بين التعقيبين. وهكذا ترون أن مقالكم الأول هو ما فتح، ابتداء، الباب، وأن مقالكم الثاني، هو ما استوعب، بين طياته، التعقيب والجواب».

 

همس

 

لا تكتمل الأشياء 

بعد فوات الأوان.

لا الصوتٌ يأتي،

ولا حتى الصدى يرد!

للأصوات البعيدة 

نغم لا يبتعد،

في انتظار الذهاب.

وهذه الشجيرات 

تناديني في المنتهى 

والسحب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها