النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

ديناميكية الفشل... العرب خارج السياق الدولي

رابط مختصر
العدد 10571 الإثنين 19 مارس 2018 الموافق 2 رجب 1439

الذي ينظر إلى حال العرب في هذه الأيام السوداء، يجتاحه إحساس بالحزن الشديد على صعيد المشاعر، وبالقلق الكبير على مستقبل هذه الأمة التي تبدو لوحدها في العالم التي تعيش وتسير على غير هدى، من دون مشروع أو فكرة تقودها. الإيرانيون والأتراك والإسرائيليون، إضافة إلى الدول الكبرى تمتلك مشروعاتها الخاصة بها وتناضل من أجل تحقيقها بكل الوسائل السياسية والديبلوماسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والعسكري. العرب لوحدهم باتوا مثل الأيتام في مأدبة اللئام، بلا مشروع بلا أفق، وحتى بلا حياة تقريبا. 

يمكن القول، ضمن توصيف ليس ببعيد عن الواقع، أن العرب قد باتوا، على الصعيد الاستراتيجي، من دون وزن حقيقي، خارج السياق الدولي، وباتوا يوصفون مجازيًا، بكونهم «الرجل المريض» في النظام الدولي الجديد، أسوة بما كانت توصف به الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر، في رمقها الأخير. 

ففضلا عن الفشل التنموي وعدم الاستقرار السياسي وعدم القدرة على تحقيق التحول المدني في بنية المجتمعات، وبناء الديمقراطية، وتدني مستويات التعليم والبحث العلمي، واختلال التوازنات المالية وسوء الادارة، والعجز عن استيعاب الثورات العلمية والتكنولوجية، والاستمرار في العيش على أمجاد الماضي في حالة من التخلف والتكرارية، فإن العرب أصبحت أرضهم مستباحة، وبدأ الغرب يعود إلى التعامل مع المنطقة العربية كموازييك طائفي وعرقي متصارع. 

ومن أعراض هذا المرض أن يضطر الآلاف من الشباب العربي اليائس والغارق في الإحباط والحروب والصراعات الدموية إلى المقامرة يوميا بحياتهم، فيما يشبه الانتحار الجماعي. فيقطعون البحر نحو الشواطئ الأوروبية، بحثا عن فرصة جديدة وعن أفق جديد، ككائنات مذعورة، مصابة بأوبة فتاكة، يغامرون يوميا بلا هدف سوى الفرار من السجن الكبير والمجاعة والذبح والتطهير العرقي والطائفي. وهم يفعلون ذلك لأنهم في الواقع أموات أو شبه أموات في بلدانهم، حتى أصبحت هذه المشاهد تدمي القلوب.

ومن أعراض هذا الفشل كذلك ازداد الشعور لدى قطاع واسع من الناس، وفي مقدمتهم مثقفون كثر، بان الفكرة العربية كرابطة قد تآكلت بشكل نهائي، وبات الانتكاس والتراجع عن هذه الرابطة سياسيا هو الإطار الحاكم للأفعال وردود الأفعال. وتطور الأمر من خلال التعبير المتعاظم لدى قطاعات من الرأي العام العربي، وفى مقدمته جزء مهم من المشتغلين بشؤون الفكر والثقافة، عما ما يمكن تسميته: (إخفاق المشروع العربي النهضوي واستحالة النهوض مجددا في نوع من القدرية المهلكة) أو وصوله إلى طريق مسدودة.

ومن معالم هذا البؤس أن ينظر البعض إلى مجموع تاريخ العرب الحديث والقديم كسلسلة متواصلة من المآسي والهزائم مصدرها انحطاط الذات وانعدام القدرة ونقص الكفاءة في المجتمع العربي أو في ثقافته على مواجهة تحديات التاريخ والرد الإيجابي عليها، وهكذا يظهر الإخفاق كما لو كان تجسيدا لعاهة فطرية او تاريخية يختص بها العرب، أو ثمرة حتمية لنقيصة ذاتية وخطيئة أصلية، وعندئذ يغلب موقف الندب والنواح على موقف العقل والمراجعة والانفتاح. والأخطر من ذلك التوجه الفكري لدى عدد من المثقفين الذين يعلون صباح مساء عن انتهاء العروبة كإطار جامع للعرب وكأفق للتحرر وكمشروع للوحدة، ليس من منطلق عاطفي ولا من منطلق الإحباط من الأنظمة السياسية ولا من منطلق اليأس من السياسات العربية في مجال بناء التكامل بل الخطير أن هذه الأفكار تنطلق من تأسيس نظري يقوم على أساس رفض فكرة العروبة كرابطة واقعية وضرورية، سواء من خلال رؤية معولمة او من خلال رؤية قطرية ضيقة معاكسة للأولى. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: كيف نواجه هذا التراجع وخطره على ضمير الأمة وثقافة أبنائها؟

فإذا كنا ندرك اليوم الأسباب العميقة والمباشرة لهذا الانتكاس، ونعلم بأن الحروب والكوارث التي عشناها خلال السنوات الماضية والنكبات التي تسببت فيها بعض الأنظمة العربية، فإن هذا لا يجب أن يدعو إلى الانتكاس والقبول بالسقوط المدوي، وإنما يدعونا إلى مراجعة الطرائق التي تعامل بها العرب إلى حد الان مع قضاياهم المصيرية. كما أن هذا الوضع البائس الذي نحياه يجب أن يستفز التفكير المتجدد الذي حبس لحقبة طويلة ويحثه على التأمل وعلى توسيع دائرة رؤيته واستقصاءاته، ويدفع المناقشة إلى مستويات أعلى تتجاوز المشكلات والإشكاليات الجزئية والثانوية لتصب في مشكلات التحول الكبرى: التاريخية والجغرافية والسياسية والحضارية والثقافية، وما يتطلبه ذلك من مراجعة ذاتية ومن نقد ذاتي، وتربة صحية لشحذ آلة الفكر النقدي، وتطوير منهج أكثر صرامة وعقلانية لمواجهة الوضع الاجتماعي والسياسي العربي، حتى لا يتحول الإخفاق إلى حالة يأس عامة، وحالة إحباط مدمرة لذات الأمة وتاريخها ومقدراتها.

إن رؤية المشروع البديل الذي نأمل أن ينهض به المثقفون المستنيرون من أبناء الأمة، يجب أن يتجاوز خيز التردد والتقلب والتجاذب بين موقفين يشكلان معا أساس الموقف السلبي العام من التاريخ، من خلال الرؤية التاريخية التي تضع الأمور في سياقها الطبيعي، وتنظر إليها من وجهة الفرص المتوافرة والإمكانات الفعلية للأمة. 

فمثلما كان التدخل الأوروبي في الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، وبدأت روسيا والنمسا وانجلترا وفرنسا تنظر إلى نفسها كوريث لتلك الدولة الآفلة، فإننا اليوم نبدو أمام إعادة انتاج نفس المنظور مع المنطقة العربية التي يتكالب عليها حاليا الأمريكان والروس والأوروبيون والإيرانيون والأتراك، فضلا عن الكيان الصهيوني الذي يحتل أجزاء كبيرة من الأرض العربية.

 

همس

في الحلم، 

الأرض تظللها أجنحة بيض، 

في الأرض، 

لا شيء غير حزني المقيم.

انعكاس صوتي في الماء أبيض، 

وقلبي شرنقة، 

أفتحه على نافذة الذكرى، 

 فلا صدى.

الذكريات ثلج، والزوارق صدئة.

والسماء طلقت أجنحتها الأخيرة، 

والنجوم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها