النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

إلى أين تقودنا الحضارة؟

رابط مختصر
العدد 10570 الأحد 18 مارس 2018 الموافق غرة رجب 1439

لا تخلو الحضارة الغربية الحديثة من الشوائب والسلبيات، رغم إيجابياتها الكثيرة. وينشغل المفكرون والباحثون في الغرب بهذه الشوائب اليوم فهي تقلقهم، لكنهم يقفون عاجزين أمام وضع حلول ناجعة لها، فهى إفرازات لهذه الحضارة تتولد في المجتمع كما تتولد السموم في الجسد من عملية هضم الطعام، وكما أننا لا نستطيع الاستغناء عن الطعام لا نستطيع أيضا الاستغناء عن الحضارة ولا تفادي أضرارها وسمومها وشوائبها. أول هذه الشوائب وأسوأها تلك التي تهتكت فيها العلاقات الانسانية بين أفراد الأسرة الواحدة، تحت ضغوط الإحتياجات الشخصية للعيش في رفاهية وفرتها الحضارة. وعندما تنهار العلاقات الإنسانية في الأسرة فهي دلالة على تصدعها في المجتمع.

ولا نتوقع ممن يقطعون الصلات الإنسانية مع أهلهم أن يحافظوا عليها في المجتمع. وقد نبه المفكرون الغربيون في فترة مبكرة من نمو الرأسمالية إلى أن التقدم التكنولوجي لا يعني بالضرورة تقدما أخلاقيا ملازما لها. وقد أكد هذا التحليل صحته، فالتقدم العلمي الذي صنع الأجهزة الطبية الحديثة التى تنقذ حياة ملايين البشر، هو نفسه الذي صنع القنبلة الذرية التي تنشر الدمار الشامل وتقتل ملايين البشر. والتطور الصناعي الذي أحدث وفرة اقتصادية غير مسبوقة في الغرب سهلت العيش لملايين البشر، هو نفسه الذي أدى الى نشوء علاقات اجتماعية مشوهة تفتقر الى العواطف الانسانية. تجلى هذا الخرق بوضوح في نطاق العلاقات الأسرية أولا، وهي في المفترض علاقات إنسانية بامتياز. حتى منتصف القرن التاسع عشر كان الغربيون في الغالب يعيشون في الأرياف في تشكيل الأسر الممتدة المترابطة التي تجمع الأجداد بالأحفاد، ثم بعد هذا التاريخ، مع تنامي الصناعة وظهور المدن الجديدة، بدأت هجرات بشرية واسعة الى المدن. كان ذلك هو بداية الانقسام في الأسرة. فالمهاجرون من الأرياف الى المدن الجديدة انقطعوا عن امتدادهم الأسري في الأرياف، وأسسوا أسرًا صغيرة متفرقة في مدن متباعدة، لكن النمو السريع للصناعة داخل هذه المدن لم يحافظ حتى على هذه الأسر الصغيرة، إذ كان في انتظار هذه الأسر التي انقطعت عن جذورها الريفية، انقسام آخر: فالظروف الاقتصادية الضاغطة للاسر الصغيرة، ومستلزمات العيش الاستهلاكي، دفعت بالنساء الى خارج البيت، لتغطية تكاليف الحياة الجديدة والمغرية، وكان لا بد في هذه الحالة من تسليم الأولاد الى الحضانات التي تكاثرت لتلبي حاجات الحياة الجديدة.

ويذكر الباحثون الاجتماعيون الغربيون أن ابتعاد الأمهات عن الأطفال في سن مبكرة بخاصة لمن يعملن في دوامين، وأغلبهن كذلك، قد أضعف العلاقة العاطفية الأسرية السليمة التي تتأسس لدى الأطفال في هذه المرحلة. انشغال الأم والأب عن الأولاد في هذه السن لفترات طويلة، سيوازيه ويعقبه انشغال الأولاد في المستقبل عن الوالدين في شيخوختهما.

الوالدان اللذان تركا أطفالهما في الحضانات لمدد طويلة، سيأخذهما أولادهما في الشيخوخة الى دور العجزة لفترة طويلة، ويا للمفارقة. هذا النهج أصبح منتشرا الآن. وهناك انقسام ثالث يأتي بعد ذلك سيفتت الأسرة التي تفتت مرتين، إذ ينفصل الأولاد عن الأبوين في سن الثامنة عشرة، حيث أن القوانين ترفع ولاية الوالدين عن الأولاد في هذه السن. التكوين الأسري في حد ذاته تحت ضغط هذه الظروف والمستجدات راح يتقلص، إذ أن قطاعًا واسعًا من الناس يرون أنه يحملهم أعباءً مادية ومعنوية ويعرقل استمتاعهم بالحياة، ما أدى الى انقسام سريع للأبوين وطلاق مبكر وواسع، وغالبا في هذه الحالة ينفذ الرجل بجلده تاركا مسؤولية الأولاد للأم، لذلك كثرت الأسر التي تعيش فيها الأم مع الأولاد. وهذه الأسر تشكل ما نسبته 27.6٪. وفي غياب الأب قد تخرج الأم للعمل فتترك أولادها لدور الحضانة، التى لا تعوضهم عن رعاية الأم وحنانها. وزير العمل البريطاني أيان دنكان يرى «أن التفكك الأسري قد يكون له تأثير مدمر على الأطفال». مدير الاتصالات في نفس المؤسسة يرى أن التفكك الأسري هو «المشكلة الاجتماعية الأولى». التقرير المنزلي العام الذي أصدرته الحكومة البريطانية للعام 1993 يذكر بقلم إيان موراي «إن الأسرة البريطانية التقليدية المكونة من أبوين أصبحت أكثر ندرة». في نفس التقرير تقول ليزلي وايت «أن مؤسسة الزواج تكاد تختفي في بلادنا، وتضيف، لقد أصبح الزواج مخيفا جدا» وتسجل الأرقام الواردة في سجلات الدائرة الوطنية للإحصاء، لسنة 2008 في بريطانيا أن المتزوجين أصبحوا يشكلون أقلية في المجتمع، جاء ذلك في صحيفة (الديلي ميل) البريطانية، عدد 27 يوليو 2008. ويذكر هارب بنيون أيضا أن «450 طفلا من بين كل ألف طفل ينفصل آباؤهم عن بعض قبل بلوغهم سن السادسة عشرة». 

وماذا عنا نحن في الأقطار العربية؟ لست متشائما، لكني أرى أننا نسير حثيثا الى نفس الطريق في المدى البعيد، ما قد يعرضنا الى نتائج مشابهة، فهل نستطيع تفادي هذه الحالات الصادمة والكارثية، أو نستطيع تقليلها على الأقل، وهو أضعف الإيمان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها